صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلّ الْمَسْجِدِ مَعَ مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
فَأَتَيْته، وَأَنَا لَا أَعْرِفُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَسَلّمْت فَقَالَ: يَا قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ، أَنْتَ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ «مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرّ مِنْهُ إلّا النّسَاءُ» ؟ قُلْت:
أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ، وَأَنّ هَذَا الْأَمْرَ مَا خَرَجَ مِنّي إلَى أَحَدٍ قَطّ، وَمَا تَرَمْرَمْت [ (١) ] بِهِ إلّا شَيْئًا حَدّثْت بِهِ نَفْسِي، فَلَوْلَا أَنّك نَبِيّ مَا أَطْلَعَك اللهُ عَلَيْهِ، هَلُمّ حَتّى أُبَايِعَك. فَعَرَضَ عَلَيّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْت.
قَالُوا: فَلَمّا تَصَافّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا.
فَلَمّا انْهَزَمُوا كَانَ النّاسُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ قَامَتْ عِنْدَ خَيْمَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَهُ فِي الْخَيْمَةِ- وَفِرْقَةٌ أَغَارَتْ عَلَى النّهْبِ، وَفِرْقَةٌ طَلَبَتْ الْعَدُوّ فَأَسَرُوا وَغَنِمُوا. فَتَكَلّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ مِمّنْ أَقَامَ عَلَى خَيْمَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا مَنَعَنَا أَنْ نَطْلُبَ الْعَدُوّ زَهَادَةٌ فِي الْأَجْرِ، وَلَا جُبْنٌ عَنْ الْعَدُوّ وَلَكِنّا خِفْنَا أَنْ يُعْرَى مَوْضِعُك فَتَمِيلُ عَلَيْك خَيْلٌ مِنْ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَرِجَالٌ مِنْ رِجَالِهِمْ، وَقَدْ أَقَامَ عِنْدَ خَيْمَتِك وُجُوهُ النّاسِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَشِذّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَالنّاسُ يَا رَسُولَ اللهِ كَثِيرٌ، وَمَتَى تُعْطِ هَؤُلَاءِ لَا يَبْقَ لِأَصْحَابِك شَيْءٌ، وَالْأَسْرَى وَالْقَتْلَى كَثِيرٌ وَالْغَنِيمَةُ قَلِيلَةٌ. فَاخْتَلَفُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزّ وَجَلّ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ (٢) ] ، فَرَجَعَ النّاسُ وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ. ثُمّ أَنْزَلَ اللهُ عَزّ وَجَلّ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ (٣) ] ، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ.
[ (١) ] ترمرم: حرك فاه للكلام. (الصحاح، ص ١٩٣٧) .[ (٢) ] سورة ٨ الأنفال ١[ (٣) ] سورة ٨ الأنفال ٤١
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute