ابنِ مسعودٍ من أرضِ الحبشةِ (١). وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ من غيرِ طريقِ عاصم، وليسَ فيه المعنَى الذي ذكَره ابنُ عُيينةَ (٢) وغيرُه عن عاصم، بل فيه ما يدل على أنَّ معناه ومعنَى حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ سواء.
(١) بل وقع التصريح بذلك عند السراج والشاشيُّ، ففيه عندهما قوله: "كنّا نُسلِّم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة فيرُدُّ علينا، فلمّا قدمتُ من الحبشة أتيتُ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُصلّي فسلَّمت عليه فلم يُردّ عليّ". (٢) سلف التعليق على رواية ابن عيينة، عنه، وأن معنى ما ذكره عن عاصم موافق لما وقع عند البخاريِّ وغيره من طريق عاصم من حديث ابن مسعود من جهة أن ذلك كان بعد قدومهم من الحبشة، وبيّنا أن الفرق إنما هو في لفظ المرفوع منه، وأن المعنى واحدٌ. وبه يتبيَّن عدم صحَّة ما ذكره المصنِّف رحمه اللَّه هنا. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ٣/ ٧٤ ما يؤيد ذلك، فقال بعد أن نقل الاتفاق على أن نسخ الكلام في الصلاة وقع في المدينة، وذكر ما يقتضي ذلك من كون الآية وهي قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} مدنية: "فيُشكل ذلك على قول ابن مسعود أن ذلك وقع لمّا رجعوا من عند النجاشيِّ وكان رجوعهم من عنده إلى مكة" وذكر أن رجوعهم من الحبشة حدث مرتين، ثم نقل الخلاف في المراد بقوله: "فلّما رجعنا" هل هو الرجوع الأول وهم في مكة أم الثاني، بل وذكر أن بعضهم جنح إلى ترجيح حديث ابن مسعود كونه حكى لفظ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه، ثم ذكر ما رجَّحه هو وآخرون من أن مراد ابن مسعود في قوله: "فلّما رجعنا" رجوعه الثاني إلى المدينة، وإنه قدمها والنبيُّ يتجهَّز لبدر، ثم ذكر ما يؤيد ذلك، ثم قال: "فظهر أن اجتماعه بالنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد رُجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نَحا الخطّابيُّ، ولم يقف من تعقَّب كلامه على مستنده، ويُقوِّي هذا الجمع رواية كلثوم المتقدِّمة، فإنها ظاهرة في أن كلًّا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. قلنا: رواية كلثوم وهو ابن علقمة الخزاعيّ، أخرجها النسائي بإسناد صحيح (١٢٢٠) وفيها: "إن اللَّه عزّ وجلّ أحدث في الصلاة أن لا تكتبوا إلّا بذكر اللَّه وما ينبغي لكم، وأن تقوموا للَّه قانتين"، وبهذا وبما ذكرناه سابقًا يتبين صحّة حديث ابن مسعود من رواية عاصم بن بهدلة وتوافقها مع رواية غيره عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، بل واتّحاد معنى الروايتين مع حديث زيد بن أرقم، وعدم دقّة قول المصنِّف في عاصم من أنه وَهِمَ ولم يحفظ، ورواية كلثوم هي الآتية مباشرة، وقد استدلَّ بها المصنّف من أن المنع من الكلام كان بعد إباحته في الصلاة، ولا يُعارض هذا ما ورد في حديث عاصم لِما ذكرناه، واللَّه تعالى أعلم.