قال (١): فلمَّا قُبضَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تناهَتِ الفرائضُ؛ فلا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها أبدًا. قال: فهذا فرقُ ما بينَنا وبينَه إذا كان أحدُنا إمامًا اليوم.
قال أبو عُمر: فالذي حصل عليه قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، في هذه المسألةِ، ممَّا لا يَختلفون فيه، أنَّ الكلامَ والسلامَ ساهيًا في الصلاةِ لا يُفسِدُها، ولا يَقدَحُ في شيءٍ منها، وتُجْزِئُ منه سجدتَا السهوِ، وليستا هاهُنا بواجبةٍ فرضًا، عندَ واحدٍ منهم، ومَن نسِيَهما ولم يسجُدْهما لم يضُرَّه، ويسجُدُهما عندَ مالكٍ وأصحابِه متى ما ذكَر، وإنما الخلافُ بينَ مالكٍ والشافعيِّ أنَّ مالكًا يقولُ: لا يُفسِدُ الصلاةَ تَعَمُّدُ الكلام فيها إذا كان في إصلاحِها وشأنِها. وهو قولُ ربيعةَ، وابنِ القاسم، إلَّا ما رُويَ عنه في المنفرد.
وقال الشافعيُّ وأصحابُه ومن تابعَهم من أصحابِ مالكٍ وغيرِهم: إنَّه إن تعمَّدَ الكلامَ، وهو يَعلمُ أنَّه لم يُتمَّ الصلاةَ وأنَّه فيها، أفسَد صلاتَه، وإنْ تكلَّم ساهيًا، أو تكلَّم وهو يَظنُّ أنَّه ليس في صلاةٍ -لأنَّه قد أكمَلها عندَ نفسِه- فهذا يَبني، ولا يُفسِدُ عليه كلامُه هذا صلاتَه.
وأجمَع المسلمون طُرًّا أنَّ الكلامَ عامدًا في الصلاةِ -إذا كان المصلِّي يعلمُ أنَّه في صلاةٍ، ولم يكنْ ذلك في إصلاح صلاتِه- يُفسِدُ الصلاةَ (٢)، إلَّا ما رُويَ عن الأوزاعيِّ أنَّه مَن تكلَّم لإحياءِ نَفْسٍ، أو مثلِ ذلك من الأمورِ الجِسام، لم تَفسُدْ بذلك صلاتُه، وهو قولٌ ضعيفٌ في النَّظَرِ؛ لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}[البقرة: ٢٣٨].
قال زيدُ بنُ أرقمَ: كُنَّا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}.