فالجوابُ عن ذلك: أنَّ المُحرَّمَ بآيةٍ مُجتمَع على تأويلِها، أو سُنّةٍ مجتمَع على القولِ بها، يَكفُرُ مُستحلُّه؛ لأنّه جاءَ مَجيئًا يَقطعُ العُذْر، ولا يسوغُ فيه التأويل، وما جاء مَجيئًا يُوجبُ العمل، ولا يَقطعُ العُذْر، وساغَ فيه التأويلُ، لم يَكفُرْ مُستَحِلُّه وإنْ كان مُخطِئًا، ألا تَرى أنَّ المُسكِرَ من غيرِ شرابِ العنبِ لا يُكفَّرُ المتأوِّلُ فيه، وإنْ كان قد صحَّ عندَنا النّهيُ بتحريمِه، ولا يُكفَّرُ مَن يقولُ بأنَّ الصلاةَ يخرُجُ منها المرءُ ويتحلَّلُ بغيرِ سلام، وأنَّ السلامَ ليس من فرائضِها، مع قيام الدليلِ على وُجوبِ السلام عندَنا فيها، وكذلك لا يُكفَّرُ مَن قال: إنَّ قراءةَ أمِّ القرآنِ وغيرِها سواءٌ، وإنَّ تَعيينَ قراءتِها في الصلاةِ ليس بواجب، ومن قرَأ غيرَها أجزَأه، مع ثُبوتِ الآثارِ عن النبيِّ عليه السلام أنَّه لا صلاةَ إلّا بها، وكذلك لا يَكْفُرُ من أوجَبَ الزكاةَ على خمسةِ رجالٍ ملَكوا خمسَ ذَوْدٍ (١) من الإبل، ولا من قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطِرِ في الحَضَر. و: لا حِجَّ إلا على من ملَك زادًا وراحلةً. مع إطلاقِ اللَّه الاستطاعة، ونفيِه على لسانِ رسولِه عليه السلام أنْ يكونَ فيما دُونَ خمسِ ذودٍ صدقةٌ، وأنّه صامَ في السفر -صلى اللَّه عليه وسلم-. وهذا كثيرٌ لا يجهَلُه من له أقلُّ عنايةٍ بالعلم إنْ شاء اللَّه.
قرأتُ على عبدِ الرَّحمن بن يحيى (٢)، أنَّ عليَّ بنَ محمدٍ أخبَرهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمان (٣)، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْب،
(١) والذَّوْد من الإبل: ما بين الاثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، ولا واحد له من لفْظِه، ولا تكون الذَّوْدُ إلّا إناثًا. ينظر: غريب الحديث للخطابي ٢/ ٢٧٥، وكشف المشكل لابن الجوزي ٣/ ٧٦، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ١٧١. (٢) هو ابن محمد، أبو زيد العطّار، وشيخه عليّ بن محمد: هو ابن مسرور الدَّبّاغ. (٣) هو المعروف بالصواف مولى ربيعة، واسم أبيه داود، وشيخه سحنون: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخيّ.