ولم يَروِ ذلك عنه غيرُ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ (١)، وإسلامُهما مُتأخِّرٌ بعدَ الهجرةِ إلى المدينةِ بأعوام، وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ روايةِ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ، في النَّهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من وجهٍ صالح (٢).
قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: وهذا كلُّه يدُلُّ على أنّه أمرٌ كان بالمدينةِ بعدَ نُزول: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآيةَ؛ لأنَّ ذلك مكيٌّ.
قال أبو عُمر: قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآيةَ، قد أوضَحْنا بما أورَدْنا في هذا الباب بأنّه قولٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه ليس نصًّا مُحكَمًا (٣)؛ لأنّ النَّصَّ المحكَمَ ما لا يُختلفُ في تأويلِه، وإذا لم يكنْ نصًّا كان مُفتقرًا إلى بيانِ الرسولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمرادِ اللَّه منه، كافتقارِ سائرِ مُجملاتِ الكتابِ إلى بيانِه، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}[النحل: ٤٤]. وقد بيَّن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أكْلِ كلِّ ذي نابٍ وأكلِ الحُمُرِ الأهليّةِ مُرادَ اللَّه، فوجَب الوقوفُ عندَه، وباللَّه التوفيق.
فإن قال قائل: إنَّ الحُمُرَ الأهليّة وذا الناب من السِّباع لو كان أكلُها حرامًا لكُفِّر مُستحِلُّها كما يُكفَّرُ مُسْتَحِلُّ الميتةِ والدمِ (٤) ولحم الخنزير.
(١) حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، هو حديث هذا الباب. وحديث أبي ثعلبة الخُشني رضي اللَّه عنه أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٦٤٠ (١٤٣٣) عن محمد بن شهاب الزُّهري، عن أبي إدريس الخولاني، عنه، وهو الحديث الأول لابن شهاب، عنه، وسيأتي مع تمام تخريجه والكلام عليه في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. (٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٧٤ (٢١٩٢)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٣)، وابن ماجة (٣٢٣٤)، والنسائيّ في المجتبى (٤٣٤٨) وفي الكبرى ٤/ ٤٨٩ (٤٨٤٢) من حديث ميمون بن مهران، عنه رضي اللَّه عنهما. (٣) كتب ناسخ الأصل في الحاشية أنه في نسخة أخرى: "بنصٍ مُحكم". (٤) قوله: "والدم" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ.