وَقَدْ بَيَّنَ - تَعَالَى - فِي «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» أَنَّ الْحَقَّ لَوِ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَ الْعَالَمُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [٢٣ \ ٧١] .
وَالْأَهْوَاءُ: جَمْعُ هَوًى بِفَتْحَتَيْنِ وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ، وَالْهَمْزَةُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ يَاءٍ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ - تَعَالَى -: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ.
قَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ مِرَارًا أَنَّ الظُّلْمَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَصْلُهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَأَنَّ أَعْظَمَ أَنْوَاعِهِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ; لِأَنَّ وَضْعَ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ هُوَ أَشْنَعُ أَنْوَاعِ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَلِذَا كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِطْلَاقُ الظُّلْمِ بِمَعْنَى الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٢ \ ٢٥٤] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [١٠ \ ١٠٦] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [٢٥ \ ٢٧] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى - عَنْ لُقْمَانَ: يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [٣١ \ ١٣] . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [٦ \ ٨٢] بِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ «الْجَاثِيَةِ» هَذِهِ مِنْ أَنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ - جَاءَ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي آخِرِ «الْأَنْفَالِ» : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [٨ \ ٧٣] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [٦ \ ١٢٩] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [٢ \ ٢٥٧] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ [٧] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ الْآيَةَ [٤ \ ٧٦] . وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ [٣ \ ١٧٥] . وَقَوْلِهِ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.