كِتَابُ التَّفَكُّرِ
فَضِيلَةُ التَّفَكُّرِ
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي مَوَاضِعَ لَا تُحْصَى وَأَثْنَى عَلَى الْمُتَفَكِّرِينَ فَقَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) [آلِ عِمْرَانَ: ١٩١] وَقَدْ قَالَ «ابْنُ عَبَّاسٍ» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ قَوْمًا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ» وَرُوِيَ فِي السُّنَّةِ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» وَقَالَ «حاتم» : «مِنَ الْعِبْرَةِ يَزِيدُ الْعِلْمُ، وَمِنَ الذِّكْرِ يَزِيدُ الْحُبُّ، وَمِنَ التَّفَكُّرِ يَزِيدُ الْخَوْفُ» وَقَالَ «الشَّافِعِيُّ» رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «اسْتَعِينُوا عَلَى الْكَلَامِ بِالصَّمْتِ، وَعَلَى الِاسْتِنْبَاطِ بِالْفِكْرِ» ثُمَّ إِنَّ ثَمَرَةَ الْفِكْرِ هِيَ الْعِلْمُ وَاسْتِجْلَابُ مَعْرِفَةٍ لَيْسَتْ حَاصِلَةً، وَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ فِي الْقَلْبِ تَغَيَّرَ حَالُ الْقَلْبِ، وَإِذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْقَلْبِ تَغَيَّرَتْ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ. فَالْفِكْرُ إِذَنْ هُوَ الْمَبْدَأُ وَالْمِفْتَاحُ لِلْخَيْرَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْقُلُ مِنَ الْمَكَارِهِ إِلَى الْمَحَابِّ، وَيَهْدِي إِلَى اسْتِثْمَارِ الْعُلُومِ وَنِتَاجِ الْمَعَارِفِ وَالْفَوَائِدِ.
بَيَانُ مَجَارِي الْفِكْرِ
اعْلَمْ أَنَّ أَنْوَاعَ مَجَارِي الْفِكْرِ أَرْبَعَةٌ: الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي وَالصِّفَاتُ الْمُهْلِكَاتُ وَالصِّفَاتُ الْمُنْجِيَاتُ.
فَأَمَّا الْمَعَاصِي: فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَتِّشَ الْإِنْسَانُ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ السَّبْعَةِ، ثُمَّ بَدَنَهُ هَلْ هُوَ فِي الْحَالِ مُلَابِسٌ لِمَعْصِيَةٍ بِهَا فَيَتْرُكَهَا، أَوْ لَابَسَهَا بِالْأَمْسِ فَيَتَدَارَكَهَا بِالتَّرْكِ وَالنَّدَمِ، أَوْ هُوَ مُتَعَرِّضٌ لَهَا فِي نَهَارِهِ فَيَسْتَعِدَّ لِلِاحْتِرَازِ وَالتَّبَاعُدِ عَنْهَا، فَيَنْظُرَ فِي اللِّسَانِ وَيَقُولَ: إِنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِلْغَيْبَةِ وَالْكَذِبِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْغَيْرِ وَالْمُمَارَاةِ وَالْمُمَازَحَةِ وَالْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِي إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَكَارِهِ، فَيُقَرِّرَ أَوَّلًا فِي نَفْسِهِ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَفَكَّرَ فِي شَوَاهِدِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى شِدَّةِ الْعَذَابِ فِيهَا فَيَتَحَرَّزَ مِنْهَا. وَيَتَفَكَّرَ فِي سَمْعِهِ أَنْ يُصْغِيَ بِهِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَالْكَذِبِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ وَإِلَى اللَّهْوِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ. وَيَتَفَكَّرَ فِي بَطْنِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ: إِمَّا بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِمَّا بِأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، فَيَتَفَكَّرَ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْ مَدَاخِلِهِ، وَيَتَفَكَّرَ فِي طَرِيقِ الْحَلَالِ وَمَوَارِدِهِ، وَيُقَرِّرَ عَلَى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.