والَّذي يَقتضيه المنهج العلميُّ الصَّحيح هنا: الرُّجوع بهذا الاختلاف وأدلَّته إلى قواعد الجمع، ثمَّ التَّرجيح بضوابطه إن تَعذَّرت الأولى، أمَّا أن يُقدم المخالف على قفزِ تلكم المراحلِ المنهجيَّة، والرِّضا بعدُ بإسقاطِ الأدلَّة كلِّها بدعوى الاضطراب: فنَأيٌ عن الجادَّة الَّتي تَوَالى الأصوليُّون على التَّوصيةِ بسلوكِها في مثل هذه القضايا النَّقليَّة.
فمن ذلك: ذهاب بعضِ أهلِ العلمِ إلى كونِ ابن الصَّياد هو المسيح الدَّجال (١)، وأنَّه هو الخارج آخر الزَّمان، واستشهدوا بما مَرَّ عن محمَّد بن المنكدر قال:«رأيتُ جابر بن عبد الله رضي الله عنه يحلف بالله أنَّ ابن الصَّائد الدَّجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: إنِّي سمعت عمرَ يحلف على ذلك عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره النَّبي صلى الله عليه وسلم»(٢)، وبقول جابر رضي الله عنه أيضًا:«فقَدْنا ابنَ الصيَّاد يوم الحَرَّة»(٣)، وتأوَّلوا فقدَه هذا برجوعِه إلى جزيرتِه الَّتي رآه فيها تَميم الدَّاري مُوثَّقًا!
يقول النَّووي:«أمَّا احتجاجُه هو -أي ابن الصَّياد على مَن اتَّهمه بأنَّه الدَّجال- بأنَّه مُسلم، والدَّجال كافر، وبأنَّه لا يولد للدَّجال، وقد وُلِد له هو، وأن لا يدخل مكَّة والمدينة، وأنَّ بن صيَّاد دخل المدينة، وهو متوجِّه إلى مكَّة: فلا دلالة له فيه، لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما أخبر عن صِفاته وقتَ فتنتِه وخروجِه في الأرض»(٤).
(١) كابن بطَّال في «شرحه للبخاري» (١٠/ ٣٨٦)، وأبي العبَّاس القرطبي في «التذكرة» (ص/١٣٤٠)، وهو ظاهر كلامِ النَّووي في «شرحه لمسلم» (١٨/ ٤٦ - ٤٧)، والشَّوكانيِّ في «نيل الأوطار» (٧/ ٢٣٧ - ٢٤٢). (٢) أخرجه البخاري في (ك: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة، لا من غير الرسول، رقم: ٧٣٥٥)، ومسلم (ك: الفتن واشراط الساعة، باب: ذكر ابن الصياد، رقم: ٢٩٢٩). (٣) أخرجه أبو داود في «سننه» (ك: الملاحم، باب: في خبر ابن الصياد، رقم: ٤٣٣٢)، وصحح إسناده الألباني في «صحيح وضعيف سنن أبي داود» (٤٣٣٢). (٤) «شرح النووي على مسلم» (١٨/ ٤٦).