للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأخرجه ابن جرير وغيره عن قتادة – رحمه الله تعالى – قال: جاء ناسٌ من اليهود إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالوا: انْسُبْ لنا ربك، فنزلت: "قل هو الله أحد" حتى ختم السورة (١) .


(١) انظر تفسير بن جرير: (٣٠/٢٢٢) ، ورواه عن قتادة ابن المنذر، وعبد الرازق كما في الدر: (٦/٤١٠) ورواه ابن جرير أيضاً: (٣٠/٢٢١) وابن المنذر كما في الدر: (٦/٤١٠) عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى – ورواه البيهقي في الأسماء والصفات وابن أبي حاتم وابن عديّ كما في الدر: (٦/٤١٠) عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – بلفظ: إن اليهود جاءت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – منهم كعب بن الأشرف، وحييّ بن أخطب فقالوا: يا محمد! صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله.... الحديث، ورواه الطبراني بسند رجاله ثقات غير أنه منقطع كما في مجمع الزوائد: (٧/١٤٦، ٩/٣٢٦) وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية كما في الدر: (٦/٤١٠) عن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام أن عبد الله بن سلام – رضي الله عنهم – قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحْدِثَ بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل – على نبينا وعليهما الصلاة والسلام – عهداً، فانطلق إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو بمكة، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمنىً، والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: قلت نعم، قال: ادْنُ، فدنوت منه، قال: أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام أما تجدني في التوراة رسول الله – صلى الله عليه وسلم؟، فقلت له: انعت ربنا، قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يديْ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: "قل هو الله أحد...." إلى آخر السورة، ورواه أبو الشيخ في العظمة، وأبو بكر السمرقندي في فضائل "قل هو الله أحد" عن أنس – رضي الله تعالى عنه –، ورواه الطبراني في السنة عن الضحاك أيضاً مرسلا ً كما في الدر: (٦/٤١٠) بنحو ما تقدم.
وللتوفيق بين الروايات المتقدمة الدالة على نزول هذه السورة في مكة جواباً للمشركين، وبين هذه الروايات الدالة على نزول السورة في المدينة جواباً لليهود باستثناء رواية حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام الدالة على نزول السورة في مكة بسبب سؤال جَدِّهِ عبد الله بن سلام – رضي الله عنه –.
للتوفيق بين ذلك أقول: إن السورة قد تكرر نزولها تعظيماً لشأنها وتفخيماً لقدرها، فنزلت بمكة عندما سأل المشركون، وعبد الله بن سلام أيضاً النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – عن نسب الرحمن – جل جلاله – وعن صفته، ثم نزلت بعد ذلك في المدينة المنورة عندما سأل اليهود رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك مرة أخرى.
والمصير إلى هذا الوجه من التقرير هو عول عليه الأئمة المشاهير؛ لأن إعمال الأدلة كلها خير من إهمال بعضها، ولا يصار إلى النسخ أو الترجيح، إلا عند تعذر الجمع الصحيح قال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: وسورة "قل هو الله أحد" أكثرهم على أنها مكية، وقد ذكر في أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة، وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة، ولا منافاة، فإن الله – جل وعلا – أنزلها بمكة أولاً، ثم لما سُئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى، وهذا مما ذكره طائفة من العلماء، وقالوا: إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين أو أكثر أ. هـ: (١٩٠) من جواب أهل العلم والإيمان، وإلى هذا جنح الإمام الزركشيّ – رحمة الله تعالى عليه – في البرهان: (١/٢٩-٣٠) حيث قال: وقد ينزل الشيء مرتين تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه، وخوف نسيانه ... ومن ذلك ما ورد في "قل هو الله أحد" أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة أ. هـ.
وقد اضطرب موقف السيوطيّ نحو الروايات المتقدمة فقال في الإتقان: (١/٥٥) : "سورة الإخلاص" فيها قولان لحديثين في سبب نزولها متعارضين، وجمع بعضهم بينهما بتكرر نزولها، ثم ظهر لي بعد ترجيح أنها مدنية، كما بينته في أسباب النزول أ. هـ ولم يبين ذلك في أسباب النزول – رحمه الله تعالى – إنما قال في لباب المنقول: (٢٤٥) عقيب الروايات الثانية: استدل بهذا على أنها مدنية ولم يزد على ذلك حرفاً.
أما الإمام ابن جرير – رحمه الله تعالى – فلم يفعل شيئاً نحو الروايات، إنما قال: (٣٠/٢٢١) ذكر أن المشركين سألوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن نسب رب العزة – حل وعلا – فأنزل الله هذه السورة جواباً لهم، وقال بعضهم: بل نزلت من أجل أن اليهود سألوه، فقالوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فَأنْزِلَتْ جواباً لهم ١٠هـ وهذا المسلك سلكه أكثر المفسرين فسردوا الروايات في ذلك دون جمع أو ترجيح، والمسلك الذي قدمته هو المتعيَّن الذي لا ينبغي سواه، فعضّ عليه بالنواخذ وكن من الشاكرين، والحمد لله رب العالمين.......