للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد أخبرتنا أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – عن عظيم خوف النبي – صلى الله عليه وسلم – من ربه – جل وعلا – وخشيته له، وهي المطلعة على ما لم يطلع عليه أحد من أحواله – صلى الله عليه وسلم – ففي الصحيحين وغيرهما أنها قالت – رضي الله تعالى عنها –: ما رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيثاً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون في عذاب؟ قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممصرنا" وفي رواية لمسلم: أنها قالت – رضي الله تعالى عنها – كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا عصفت الريح قال:" اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه، فعرفت ذلك في وجهه، قالت فسألته: فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} الأحقاف٢٤ (١) .


(١) انظر صحيح البخاري – كتاب التفسير – سورة الأحقاف – باب "فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ": (٨/٥٧٨) ، وكتاب الأدب – باب التبسم والضحك –: (١٠/٥٠٤) بشرح ابن حجر فيهما، وصحيح مسلم – كتاب الاستسقاء – باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم –: (٢/٦١٦-٦١٧) ، وسنن أبي داود – كتاب الأدب – باب ما يقول إذا هاجت الريح –: (٥/٣٢٩) ، والمسند: (٦/٦٦) ،ورواية مسلم رواها البخاري – في كتاب بدء الخلق – باب ما جاء في قوله – عز وجل –: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} الأعراف٥٧: (٦/٣٠٠) بشرح ابن حجر من قولها: كان إذا رأى مخيلة في المساء أقبل وأدبر، ودخل وخرج، وتغير لونه، الحديث، وكذلك رواه الترمذي – كتاب التفسير – سورة الأحقاف: (٩/١١) ، وابن ماجه – كتاب الدعاء – باب ما يدعو به الرجل إذا رأى السحاب والمطر: (٢/١٢٨٠) ، وابن المبارك في الزهد والرقاق: (٤٨) – باب العمل والذكر الخفي.
ومعنى "مستجمعاً" قاصداً له، مجداً فيه، واللهوات جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المتعلقة في أعلى الحنك، ومعنى "تخيلت" من المخيلة وهي سحابة فيها رعد وبرق، يخيل إلى الناظر أنها ماطرة كما في شرح النووي: (٦/١٩٧) .

تنبيه أول:
لا مناة بين إخبار أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – بأنها ما رأت النبي – صلى الله عليه وسلم – مستجمعاً ضاحكاً حتى تظهر لهواته، وبين ما ثبت من ضحك نبينا –صلى الله عليه وسلم – حتى بدت نواجذه، في مناسبات متعددة، ومنها ضحكه من مقال الحبر وقد تقدم الحديث في صفحة: (......) من هذا الكتاب المبارك ففي بعض روايات الصحيحين وغيرهما أنه ضحك حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، وسبب عدم المنافاة أن النواجذ وإن كان المراد بها الأضراس على الأشهر في إطلاق اللغة، فالمراد منها في الحديث الأنياب كما قال أبو العباس ثعلب وجماهير أهل اللغة، وإذا بدت الأنياب لا تظهر اللهاة وكان نبينا – صلى الله عليه وسلم – يفعل ذلك في بعض الأوقات ـ ومعظم ضحكه تبسم، هذا هو قول المحققين، فيما نقله عنهم الإمام النووي – عليهم جميعاً رحمة رب العالمين – انظر تهذيب الأسماء واللغات: (٢/١٦٠) القسم الثاني وقرر الإمام ابن حجر هذا في الفتح: (٨/٥٧٨) ، فقال: قولها: إنما كان يتبسم، لا ينافي ما جاء في الحديث الآخر: أنه ضحك حتى بدت نواجذه، لأن ظهور النواجذ، وهي الأسنان التي في مقدم الفم أو الأنياب، لا يستلزم ظهور اللهاة، واعتبر في: (١٠/٥٠٥) هذا الجواب أقوى الأجوبة في دفع ذلك التعارض، وقال: إن المثبت غير المنفي، ثم ختم الكلام بقوله: والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه – صلى الله عليه وسلم – كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الإفراط فيه لأنه يذهب الوقار، قال ابن بطال، والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله ما واظب عليه من ذلك، فقد روى البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه من وجهين عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – رفعه: "لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب". وانظر الحديث في الأدب المفرد: (٣٩-٤٠) باب الضحك –، وسنن ابن ماجه – كتاب الزهد – باب الحزن والبكاء –: (٢/١٤٠) ، قال في الزوائد: إسناده صحيح: (٧/٦٩) من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –.
ولبيان حقيقة النواجذ والأنياب إليك عدد الأسنان في فم الإنسان، يبلغ عدد الأسنان في فم الإنسان عند اكتمال نموه اثنان وثلاثون، مقسمة كما يلي كما في قواعد التجويد: (٣٧) :

أ- ... الثنايا ... :... وعددها أربع في كل فك اثنتان
ب- ... الرباعيات ... :... عددها أربع في كل فك اثنتان
جـ- ... الأنياب ... :... عددها أربع في كل فك اثنتان
د- ... الضواحك ... :... عددها أربع في كل فك ضاحكان، وهي تلي الأنياب وهي أول الأضراس
هـ- ... الطواحين ... :... عددها اثنا عشر طاحناً في كل فك ست، وهي تلي الضواحك
و ... النواجذ ... :... عددها أربع في كل فك ناجذان، وهي آخر الأضراس

التنبيه الثاني:
يستحب للإنسان أن يقول الدعاء المتقدم في رواية مسلم عند هبوب الرياح، وقد كان نبينا – صلى الله عيه وسلم – يقول غيره أيضاً، فانظر كتاب الأم: (١/٢٥٣) ، والأذكار: (١٥١-١٥٣) لتقف على ما ينبغي أن يقال عند اشتداد الرياح، لتكون من أهل الخير والفلاح.