وذلك الذي ترخص رسولنا –صلى الله عليه وسلم – في فعله، وتنزه عنه من تنزه تعللاً بالبون الشاسع بينهم وبين رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورد في التصريح به في روايات صحيحة ففي صحيح مسلم وغيره عن عمر بن أبي سلمة – رضي الله تعالى عنهما – أنه سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: سل هذه لأم سلمة – رضي الله تعالى عنها –، فأخبرته أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله – قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له (١)
(١) انظر صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته –: (٢/٧٧٩) ، ومن طريقه رواه ابن حزم في المحلى: (٦/٢٠٧) ، ورواه مالك في الموطأ – كتاب الصيام – باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم –: (١/٢٩١-٢٩٢) عن عطاء بن يسار أن رجلاً قبل امرأته وهو صائم في رمضان، فوجد من ذلك وجداً شديداً، فأرسل امرأته تسأله له عن ذلك، فدخلت على أم سلمة زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقبل وهو صائم، فرجعت فأخبرت زوجها بذلك، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله – صلى الله عليه وسلم –، الله يحل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "ما لهذه المرأة؟ " فأخبرته أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "ألا أخبرتها أني أفعل ذلك؟ " فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الله يحل لرسوله – صلى الله عليه وسلم – ما شاء، فغضب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال: "والله إني لأتقاكم، وأعلمكم بحدوده" ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار – كتاب الصيام – باب القبلة للصائم –: (٢/٩٤) ، ورواه الشافعي في الرسالة: (٤٠٤-٤٠٥) عن شيخه مالك – رحمهما الله تعالى – وقال: وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله ١٠هـ، وقد وصله أحمد في المسند: (٥/٤٣٤) عن رجل من الأنصار – رضي الله تعالى عنه –، قال الهيثمي في المجمع: (٣/١٦٦ رجاله رجال الصحيح ١هـ، ووصله عبد الرزاق بإسناد صحيح كما في شرح الزرقاني: (٢/١٦٣، وفتح الباري: (٤/١٥١ ١هـ وكذلك وصله ابن حزم في المحلى: (٦/٢٠٧، وعبد الرزاق في المصنف: (٤/١٨٤) ، وبلوغ الأماني: (١٠/٥١-) . واعلم أنه لهذين الحديثين وغيرهما استحب ابن حزم القبلة للصائم وكرر ذلك في عدة صفحات من المحلى، ففي: (٦/٢٠٥) قرر أن القبلة والمباشرة للرجل مع امرأته سنة حسنة، مستحبة للصائم وفي: (٦/٢٠٨) نص على أنها حسنة مستحبة، وسنة من السنن، وقربة من القرب إلى الله – تبارك وتعالى – وكرر في: (٦/٢١٣) القول باستحبابها، وقول ابن حزم هذا فيه مبالغة قطعاً، ولذلك قال الحافظ في الفتح: (٤/١٥٠) بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها ١٠هـ نعم من أراد التنزه عن ذلك الفعل رغبة عما أحل الله، فالتقبيل في حقه متعين مطلوب لئلا يقع في التنطع الممقوت المردود، وأما من ترك ذلك لعدم تطلعه إليه، أو لخشيته من الوقوع فيما لا يضبط نفسه عليه، فلا حرج عليه، بل تركه لذلك في الحالة الثانية زين لئلا يقع في الشين، وهذا هو الحق في هذه المسألة، وأعدل ما قيل فيها، قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: (٢/٩٣) ، وقد تواترت الآثار عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يقبل وهو صائم، فدل ذلك أن القبلة غير مفطرة للصائم، وفي شرح الزرقاني: (٢/١٦٣) قال ابن عبد البر: اجمعوا على أن القبلة لا تكره لنفسها، وإنما كرهها من كرهها خشية ما تؤول إليه، وأجمعوا على أن من قبل وسلم فلا شيء عليه ١٠هـ ومن العجيب المدهش فتيا عبد الله بن شبرمة يفطر من هو صائم كما نقل ذلك عنه الحافظ في الفتح: (٤/١٥٠) ، وقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – بأصح طريق عنه كما في المحلى: (٦/٢١٢) أن رجلاً قال لابن عباس: إني تزوجت ابنة عم لي جميلة، وبنيت بها في رمضان، فهل لي إلى قبلتها من سبيل؟ فقال له ابن عباس: هل تملك نفسك؟ قال: نعم، قال: قبل، فقال: فبأبي أنت وأمي هل إلى مباشرتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟، قال: نعم، قال: فباشرها، قال: فهل لي أن أضرب بيدي على فرجها من سبيل؟ قال: وهل تملك نفسك " قال: نعم، قال: اضرب، وفي مصنف عبد الرزاق: (٤/١٨٦-١٩١) ، وفيه: ومن طرق صحاح عن سعد بن أبي وقاس – رضي الله تعالى عنه – أنه سئل: أتقبل وأنت صائم؟ قال: نعم، واقبض على متاعها ١٠هـ وفي البخاري تعليقاً عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – في كتاب الصوم – باب المباشرة للصائم –: (٤/١٤٩) بشرح ابن حجر ووصله الطحاوي في شرح معاني الآثار: (٢/٩٥) عن حكم بن عقال، قال: سألت عائشة – رضي الله تعالى عنها –: ما يحرم علي من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها، قال الحافظ: إسناده صحيح إلى حكيم بن عقال، وفي المحلى: (٦/٢١١) ومصنف عبد الرزاق: (٤/١٩٠) ، وإسناده صحيح كما في الفتح: (٤/١٤٩) عن مسروق قال: سألت عائشة – رضي الله تعالى عنها – ما يحل للرجل من امرأته صائماً؟ قالت: كل شيء غلا الجماع، وفي مصنف عبد الرزاق: (٤/١٩١) ، والمحلى: (٦/٢١٢) بأصح طريق عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – أنه كان يباشر امرأته نصف النهار وهو صائم –. انظر تفصيل هذه المسألة في الفتح: (٤/١٤٩-١٥٣) ، وشرح معاني الآثار: (٠٢/٨٨-٩٦٩) ومصنف عبد الرزاق: (٤/١٨٢-١٩١) ، والمغني: (٣/٤٧-٤٨) ، وسنن الترمذي - كتاب الصوم – باب ما جاء في القبلة للصائم –: (٣/٧٨-٧٩) ، ومجمع الزوائد – كتاب الصيام – باب القبلة والمباشرة للصائم –: (٣/١٦٥-١٩٧) .