أ) أصله: إلاه من ألِهَ إذا عُبِد، وهو مصدر بمعنى مألوه، أي: معبود: كقولهم: خلق الله بمعنى مخلوق، حذفت الهمزة استثقالا ً لوجودها في كلمة يكثر استعمالهم لها، وللهمزة في وسط الكلام ضغطة شديدة، ثم حذفت الألف من (الله) بعد إرادتهم تفخيمه بالتعريف لأنه اسم لعظيم – لكثرة الاستعمال كما حذفت من (الرحمن) .
... ويصح القول بأن الهمزة حذفت بعد نقل حركتها إلى ما قبلها، وحذفها لاجتماع الساكنين هي واللام قبلها، لأنه عندما ألغيت حركة الهمزة على اللام قبلها التقى حرفان متحركان من جنس واحد، فأسكنت اللام الأولى، وأدغمت في الثانية، وألزم التفخيم (١) .
(١) انظر البيان في إعراب غريب القرآن: (١/٣٢-٣٣) ، والبحر المحيط: (١/١٥) ، واللسان: "أله"، وتفسير القرطبي: (١/١٠٢) ففي الأول عن أبي على النحوي، وفي الثاني عن الخليل أن الألف واللام بدل من الهمزة، وعوض عنها، وفي لوامع البينات: (١١٩) التأله: التعبد، قال رؤيه:
لله دَرُّ الفانِياتِ المُدَّهِ ... سَبَّحْن واسْتَرْجَعْنَ من تَلُهي
ولما كان الباري – جل وعلا – هو المعبود في الحقيقة لا جرم سمى إليها، وكيف لا يكون مستحقاً للعبادة، وقد بين أنه تعالى هو المنعم على جميع خلقه بوجوه الإنعامات، والعبادة غاية التذلل والعقل يشهد بأن غاية التعظيم لا يليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام والإحسان، وإليه الإشارة بقوله – جل وعلا –: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} البقرة٢٨ ١هـ، وانظر بيت روية في اللسان: "أله" وفيه: مدهة يمدهه مدهاً، والجمع المُده، أي: المستحقات المدح لحسنهن وجمالهن، والتأله: التنسك والتعبد، واسترجعن قلن: إنا لله وإنا إليه راجعون وفي اللسان أيضاً: "أله" وروى المنذري عن أبي الهيثم أنه سأله عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال: كان حقه: إلاه أدخلت الألف واللام للتعرف، فقيل، ألإ لاه، ثم حذفت العرب الهمزة استثقالا ً لها، فلما تركوا الهمزة حولوا كسرتها في اللام التي هي لام التعريف وذهبت الهمزة أصلا ً فقالوا: ألِلاه، فحركوا لام التعريف التي لا تكون إلا ساكنة، ثم التقى لامان متحركان، فأدغموا الأولى في الثانية، فقالوا الله، وانظر تفسير ابن جرير: (٩/١٧) حيث نقل في تفسير قوله الله – جل وعلا –: {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} الأعراف١٢٧، عن ابن عباس ومجاهد – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أنهما كانا يقرآنها "إلاهتك" بكسر الألف، بمعنى: ويذرك وعبودتك، والقراءة التي لا نرى القراءة بغيرها هي القراءة التي عليها قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القراء عليها، ثم قال في: (٩/١٨) : ذكر من قال معنى ذلك: ويذرك وعبادتك على قراءة من قرأ: "وإلاهتك" ثم نقل عن ابن عباس ومجاهد – رضي الله تعالى عنهم – أن فرعون كان يُعبَد ولا يَعبُد ١٠هـ وانظر نسبة التفسير بذلك إليهما وإلى غيرهما في الدر المنثور: (٣/١٠٧) وفي اللسان "أله": (٧/٣٦٠) وقرأ ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما –: "وإلاهتك" بكسر الهمزة، أي: وعبادتك، وهذه الأخيرة عن ثعلب كأنها هي المختارة، قال: لأن فرعون كان يُعبد ولا يَعبُد فهو على هذا ذو إلاهة ٍ لا ذو آلهة، والقراءة الأولى أكثر القراء عليها، قال بان بري يقوي ما ذهب إليه ابن عباس – رضي الله تعالى عنه – في قراءته: "ويذرك وألاهتك" قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} النازعات٢٤ وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} القصص٣٨ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} النازعات٢٥. قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: القراءة المنسوبة إلى ابن العباس – رضي الله تعالى عنهما – شاذة، ولا يجوز القراءة بها، لفقدان شرط التواتر، ويصح الاستشهاد بها في الأحكام، لأنها تنزل منزلة خبر الآحاد، وتوجيهها لفظاً ومعنى حسن، ولذلك ذكرتها هنا لأبين أن معنى الإله مأخوذ من إلالاهة وهي العبادة، فكان فرعون على هذه القراءة يُعبَد ولا يَعبُد هو شيئاً، وعلى القراءة الأولى المتواترة يكون المعنى: يذرك آلهتك التي تعبدها فيفيد أن فرعون كان يعبد الأصنام، ودعا إليها قومه الضالين الطغام، كما في تفسير ابن كثير: (٢/٢٣٩) وانظر توجيه القراءات الشاذة والعمل بها في البرهان: (١/٣٣٦، ٣٤١) ، والإتقان: (١/٢٨٠-٢٨١) ، والتحرير في أصول الفقه: (٢٩٩) ، وفواتيح الرحموت: (١/١٦-١٧٨) ، والمستصفى: (١/١٠٢) .