للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

".

وفي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: جاء حبر إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا أبا القاسم، إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تعجباً مما قال الحبر: تصديقاً له، ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الزمر٦٧ (١) .


(١) انظر صحيح البخاري – كتاب التفسير – سورة الزمر – باب: " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ": (٨/٥٠) وكتاب التوحيد – باب قول الله تعالى: " لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ": (١٣/٣٩٣) ، وباب كلام الرب – عز وجل – يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم –: (١٣/٤٧٤) ، وباب قول الله تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا": (١٣/٤٣٨) ، بشرح ابن حجر في جميع ما تقدم، وصحيح مسلم – أول كتاب صفة القيامة والجنة والنار –: (١٣/١٢٩-١٣١) بشرح النووي، وأسباب النزول للواحدي: (٢٤٩-٢٥٠) ، ومعالم التنزيل: (٦/٨٤) ، والمسند: (١/٤٥٧) ، والأسماء والصفات: (٣٣٣-٣٣٤) ، والشريعة للآجري: (٣١٨، ٣١٩) والرد على المريسي للدارمي: (٦٠) ، ورواه الترمذي في كتاب التفسير – سورة الزمر –: (٨/٣٦٨-٣٦٩) عن ابن مسعود وعن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم – وقال عن الرواية الأولى: هذا حديث حسن صحيح، وعن الثانية: هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وكذلك رواه الطبراني في التفسير –: (٢٤/١٨) وإمام الأئمة في التوحيد: (٧٦-٧٨) ، وابن أبي عاصم في السنة: (١/٢٣٨-٢٤٠) وابن منده في الرد على الجهمية: (٨٣-٨٦) وانظر رواية ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – في المسند: (١/٢٥١، ٣٢٤) ، وانظر بقية من خرج الحديث في الدر المنثور: (٥/٣٣٤) .
واعلم أن ضحك النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما كان تعجباً من قول الحبر، وتصديقاً له كما هو ظاهر الرواية الصحيحة الثابتة، وقد سأل ابن أبي عاصم شيخه أبا الربيع الزهراني عن ذلك فقال: قلت لأبي الربيع: فضحك تصديقاً؟ قال: نعم، وإلى ذلك ذهب إمام الأئمة، وقرره في كتاب التوحيد، وقال الإمام النووي: ظاهر الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صدق الحبر في قوله، ثم قرأ الآية التي فيها الإشارة إلى نحو ما يقول، ثم نقل عن القاضي عياض أن بعض المتكلمين ادعى أن ضحك النبي – صلى الله عليه وسلم – وتعجبه وتلاوته للآية ليس تصديقاً للحبر، بل هو رد لقوله وإنكاره، وتعجب من سوء اعتقاده، فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك، وقوله: "تصديقا له" إنما هو كلام الرواي على ما فهم، قال الإمام النووي: والأول أظهر والتأويل الثاني مع بعده ونكارته مال إليه الخطابي كما في الأسماء والصفات: (٣٣٨) قال ابن التين: ومسلكه متكلف كما في فتح الباري: (٨/٥٥١) .
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – القول الثاني هو قول المتكلمين الزائغين، ومذهب المعتزلة الضالين، قال الإمام الدارمي – عليه رحمة الله تعالى – في الرد على المريسي: (٦١) بعد أن نقل ذلك التأويل عن بشر المريسي المعتزلي صاحب الأباطيل: عمن رويت أيها المريسي أنه قال في حديث ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – أنه قال: تكذيباً له؟ فأنبئنا به وإلا فإنك فيها من الكاذبين، وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله، المؤمنين بما قال الله إنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء، فقد ادعيت عليهم في ذلك زوراً وباطلا ً، وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها، إنما يثبتون منها ما أنت معطل، وبه مكذب ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله – جل جلاله – ورسوله – صلى الله عليه وسلم –، ولا يدعون جوارح وأعضاء كما تقولت عليهم، غير أنك لا تألو في التشنيع عليهم بالكذب، ليكون أروج لضلالاتك عند الجهال ١٠هـ.
وإذا علمت هذا، واتضح لك الحق، فاحذر تعليق الكوثري على الأسماء والصفات: (٣٣٨) فقد تطاول على إمام الأئمة، وجاوز طوره، وفقد عقله، وليته أخلى الكتاب من تعليقاته المنكرة ليته.