.. وثبت في سنن الترمذي يسند حسن عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: مرَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال:"السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، وأنتم سلفنا ونحن بالأثر (١) ".
وورد في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون (٢)
(١) انظر سنن الترمذي – كتاب الجنائز – باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر –: (٤/٨) وقال هذا حديث حسن غريب، ووافقه الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول: (١١/١٥٧) . (٢) انظر صحيح مسلم – كتاب الطهارة – باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء –: (١/٢١٨) وسنن أبي داود – كتاب الجنائز – باب ما يقول إذا زار القبور أو مر بها –: (٣/٥٥٨) ،وسنن ابن ماجه – كتاب الزهد – باب ذكر الحوض –: (٢/١٤٣٩) ، وسنن النسائي – كتاب الطهارة – باب حلية الوضوء –: (١/٧٩) ، ونحوه في المسند: (٢/٣٠٠، ٣٧٥٠، ٤٠٨) ومن العجيب اقتصار – الإمام النووي في الأذكار: (١٤٢) على عزو الحديث إلى سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه فقط، مع أنه في صحيح مسلم.
قال عبد الرحيم – غفر الله له وللمسلمين –: المعتمد عندي من حيث الدليل ثبوت مشروعية زيارة القبور للإناث والذكور، وما ثبت عن النهي عن ذلك في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم –: "لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج" منسوخ بحديث الإذن في زيارة القبور، وتقدم تعليم النبي – صلى الله عليه وسلم – لأمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – ما تقوله إذا زارت القبور، ويمكن أيضاً حمل النهي على المكثرات للزيارة كما ثبت في بعض روايات الحديث: "لعن الله زوارات القبور" وهذا وجه ثان في الجمع، وهو حسن، وبه قال القرطبي – عليه رحمة الله تعالى – قال الشوكاني في نيل الأوطار –: (٤/١٦٦) وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر ١٠هـ وانظر تفصيل هذه المسألة في رد المختار: (٢/٢٤٢) : والأصح أن الرخصة ثابتة لهن، وحاشية الطحاوي: (٣٤٠) والمختار عن الشافعية عدم دخول النساء في إباحة الزيارة كما في المجموع: (٥/٣١١) وحملوا النهي على كراهية التنزيه، وعند المالكية ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والتفرقة بين العجوز والشابة، فيباح للقواعد، ويحرم على الشواب كما في حاشية الدسوقي: (١/٤٢٢) ، والكافي: (١/٢٨٣) ، وعند الحنابلة قولان: الكراهية، وعدمها كما في المغني: (٢/٤٢٤) ، والذي مال إليه الإمام ابن تيمية عدم دخول النساء في الإذن بزيارة القبور، كما في المسألة الثالثة عشرة من كتاب الزيارة له ضمن الجامع الفريد: (٤٦٢-٤٦٨) – وانظر فتح الباري: (٣/١٤٨-١٥١) وعمدة القاري: (٨/٦٧-٧٠) وختم العيني الكلام في هذه المسألة بقوله: وحاصل الكلام من هذا كله، أن زيارة القبور مكروهة للنساء، بل حرام في هذا الزمان، ولا سيما نساء مصر، لأن خروجهن على وجه فيه الفساد والفتنة، وإنما خصت الزيارة لتكر أمر الآخرة، وللاعتبار بمن مضى، وللتزهد في الدنيا ١٠هـ، والعيني متوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وهو محمود بن أحمد بن بدر الدين أبو الثناء العيني – عليه رحمة الله تعالى – انظر ترجمته العطرة في شذرات الذهب: (٧/٢٨٦-٢٨٨) , كلام العيني خاص فيمن خرج على تلك الصورة المؤدية للفساد والفتنة، ومن خرج لزيارة المقابر لتذكر الآخرة، وللاعتبار بمن مضى، وليزهد في الدنيا، فلا حرج عليه، بل ذلك مطلوب منه ذكراً أو أنثى، والله تعالى أعلم. وانظر حديث النهي عن الزيارة "لعن الله زوارات القبور" في سنن النسائي – كتاب الجنائز – باب الجنائز – وباب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور: (٤/٧٧) وسنن أبي داود – كتاب الجنائز – باب في زيارة النساء القبور –: (٣/٥٥٨) ، وسنن الترمذي – كتاب الجنائز – باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا –: (٢/٦) ، والمسند: (١/٢٩٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٢٢٧) ، والسنن الكبرى للبيهقي – كتاب الجنائز – باب ما ورد في نهيهن عن زيارة القبور –: (٤/٧٨) وصحيح ابن حبان – موارد الظمآن – كتاب الجنائز – باب زيارة القبور –: (٢٠٠) كلهم من رواية ابن عباس – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وقال الترمذي: حديث ابن عباس حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة – رضي الله تعالى عنهم – قال الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على جامع الأصول: (١١/١٥٠) وهو كما قال، فإن له شواهد، لكن دون إيقاد لفظ السرج، وإيقاد السرج على القبور منكر ١هـ. قال كاتب هذه الأسطر – ستره الله في الدارين –: وقد عم في هذه الأزمنة، وأزمنة كثيرة قبلها تقديس القبور، والعكوف عندها، والواجب علينا نحن طلبة العلم فطن النفس عن هذه البدع، ثم تحذير الناس منها، فنحن قدوتهم، وبصلاحنا يحصل صلاحهم، ومن أعظم البلايا وأشنع الرزايا في طالب العلم، أن يترك الحق الذي يعرفه للباطل الذي يسير عليه الناس موافقة لهم فيما هم عليه، وهذا مسلك وخيم، وحذرنا منه نبينا الرؤوف الرحيم – صلى الله عليه وسلم – فقال: "لا تكونوا إمة إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا". الحديث أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة – باب ما جاء في الإحسان والعفو –: (٦/٢١٥) عن حذيفة – رضي الله تعالى عنه – مرفوعاً وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – موقوفاً كما في مجمع الزوائد: (١/١٨١) ، وفي إسناده: المسعودي، وقد اختلط، وباقي رجاله ثقات، وانظر روايات متعددة له في جامع العلم وفضله: (١/٢٩، ٢/١١٢) . والإمعة هو الرجل الذي لا رأي له، ولا عزم، فهو يتابع كل أحد على رأيه، ولا يثبت على شيء وكذلك الإمرة هو الذي يوافق كل إنسان على ما يريد من أمره كله، كما في غريب الحديث: (٤/٤٩) ونحوه في تهذيب اللغة: (٣/٢٤٩) ولسان العرب: (١/٣٤٩) فصل الألف من حرف العين وفي الفائق في غريب الحديث: (١/٧) حرف الهمزة مع الميم: الإمعة الذي يتبع كل ناعق، ويقول لكل أحد أنا معك، لأنه لا رأي له يرجع إليه.