.. ولا يخفى فساد هذه الطريقة وشناعتها، فأمر لا يجزم المؤول به، كيف يصير إليه في صفات ربه – جل جلاله – (١) .
... يضاف إلى تلك المفسدة الردية، أن في المصير إلى التأويل فتح لباب تأويلات أهل الإلحاد الباطنية، قال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية – وبهذا احتج الملاحدة كابن سينا وغيره على مثبتي المعاد، وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم وزعموا أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله – تبارك وتعالى – ولا باليوم الآخر، فكان الذي استطالوا به على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي الصفات، وإلا فلو آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت معارضتهم، ودحضت حجتهم، ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة (٢) .
(١) وقد اعترف بهذا الرازي في مفاتيح الغيب: (٧/١٧٦-١٧٧) فقال: والقول بالظن في ذات الله – تبارك وتعالى – وصفاته، غير جائز بإجماع المسلمين وهذه حجة قاطعة في المسألة، والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه، والفطرة الأصيلة تشهد بصحته، وقرر نحوه في: (٢٥/١٦٨-١٧٠) . (٢) انظر درء تعارض العقل والنقل: (١/٢٠٢-٢٠٣) ، ونحوه في: (٦/٢١١، ٩/٢٠٧) وتقدمت ترجمة ابن النفيس في صفحة: (١٥٧) ، وقد اعترف الرازي في مفاتيح الغيب: (٢٧/١٦-١٧) بأن سلوك مثل تلك الطريقة في التأويل تفضي إلى الطعن في القرآن، وتخرجه عن أن يكون حجة في شيءٍ.
وابن سينا المشار إليه في كلام شيخ الإسلام، فيلسوف خبيث ففي مجموع الفتاوى: (١٣/١٧٧) لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا الشام وغيرها ظهر فيها النفاق والزندقة الذي هو باطن أمرهم وهو حقيقة قول فرعون إنكار الصانع وعبادته، وخيار ما كانوا يتظاهرون به الرفض، فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضة، وظهر بسببهم الرفض والإلحاد، وكان ابن سينا وأهل بينه من أهل دعوتهم قال: وبسبب ذلك اشتغلت بالفلسفة، ونحوه في: (٣٥/١٣٥) ، وذكر في: (١١/٥٧٠) أن ابن سينا ذكر في إشارته الترغيب في الغناء، وفي عشق الصور ما يناسب طريقة أسلافه الفلاسفة والصابئين والمشركين، وأحدث ابن سينا فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان، ومما أخذه من أهل الكلام المبتدعين الجهمية ونحوهم، وسلك طريقة الملاحدة الإسماعيلية في كثير من أمورهم العلمية والعملية ومزجه بشيء من كلام الصوفية، وحقيقته توعد إلى كلام إخوته الإسماعيلية القرامطة الباطنية، فإن أهل بيته كانوا من الإسماعيلية أتباع الحاكم الذي كان بمصر وكانوا في زمنه، ودينهم دين أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من أئمة منافقي الأمم الذين ليس مسلمين ولا يهود ولا نصارى.