وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْحَوْلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْإِفَاقَةِ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ
مِنْ إيجَابِهَا إيجَابُ نَفْسِ الْفِعْلِ ابْتِلَاءً لِيَظْهَرَ الْعَاصِي مِنْ الْمُطِيعِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عَنْ اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا انْتَفَى الْوُجُوبُ لِانْتِفَاءِ حُكْمِهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَإِنْ وُجِدَ السَّبَبُ كَمَا يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ مَحَلِّهِ، بِخِلَافِ مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ وَوُصُولُهُ إلَى مُعَيَّنٍ كَالْخَرَاجِ وَالنَّفَقَاتِ وَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْعُشْرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ حُكْمُهُ وَهُوَ الْإِيصَالُ فَإِنَّهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِالنَّائِبِ فَأَمْكَنَ ثُبُوتُ حُكْمِ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا: أَعْنِي وُجُوبَ الْأَدَاءِ دُونَ عَقْلٍ، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ فَإِنَّ اخْتِيَارَ النَّائِبِ لَيْسَ هُوَ اخْتِيَارُ الْمُسْتَنِيبِ فَلَا يَظْهَرُ بِفِعْلِهِ طَاعَةُ مَنْ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ اسْتَنَابَهُ عَنْ اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْعَقْلِ، ثُمَّ مَا يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَقْلِ إنَّمَا يُسْقِطُ الْوُجُوبَ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْجُنُونُ أَصْلِيًّا وَهُوَ الْمُتَّصِلُ بِالصَّبِيِّ إنْ بَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ عَارِضِيًّا طَالَ، وَأَنْ يَكُونَ تَبْقِيَةُ الْوُجُوبِ يَسْتَلْزِمُ الْحَرَجَ فِي فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعَارِضَ إذَا لَمْ يَطُلْ عُدَّ عَدَمًا شَرْعًا كَالنَّوْمِ لَا يُسْقِطُ الْوُجُوبَ، وَيَجِبُ عَلَى النَّائِمِ الْقَضَاءُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُتَوَقَّعُ زَوَالُهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ، بِخِلَافِ الطَّوِيلِ فِي الْعَادَةِ.
وَالْجُنُونُ يَنْقَسِمُ إلَى مَدِيدٍ وَقَصِيرٍ فَأُلْحِقَ الْمَدِيدُ بِالصِّبَا فَيَسْقُطُ مَعَهُ أَصْلُ الْوُجُوبِ، وَالْقَصِيرُ بِالنَّوْمِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا عُذْرٌ يُعْجِزُ عَنْ الْأَدَاءِ زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ لِفَائِدَتِهِ وَهِيَ الْأَدَاءُ أَوْ الْقَضَاءُ، فَمَا لَمْ يَتَعَذَّرْ الْأَوَّلُ وَيَثْبُتُ طَرِيقُ تَعَذُّرِ الثَّانِي لَا تَنْتَفِي الْفَائِدَةُ فَلَا يَنْتَفِي هُوَ، وَطَرِيقُ تَعَذُّرِهِ أَنْ يَسْتَلْزِمَ حَرَجًا وَهُوَ بِالْكَثْرَةِ وَلَا نِهَايَةَ لَهَا، فَاعْتَبَرْنَا الدُّخُولَ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، فَلِذَا قَدَّرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ بِالسِّتِّ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ، وَفِي الصَّوْمِ بِأَنْ يَسْتَوْعِبَ الشَّهْرَ.
وَفِي الزَّكَاةِ أَنْ يَسْتَغْرِقَ الْحَوْلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ التَّكْرَارَ بِخُرُوجِ الثَّانِيَةِ لَا بِدُخُولِهَا لِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ، فَالْأَوْلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ نَفْسُ وَقْتِهِمَا وَوَقْتُهُمَا مَدِيدٌ فَاعْتُبِرَ نَفْسُهُ، فَقُلْنَا إنَّمَا يَسْقُطُ بِاسْتِيعَابِ الْجُنُونِ وَقْتُهُمَا، حَتَّى لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ وَجُنَّ فِي بَاقِي أَيَّامِهِ لَزِمَهُ قَضَاءُ كُلِّهِ. وَفِي الزَّكَاةِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ امْتِدَادَ الْجُنُونِ بِوُجُودِهِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ وَنِصْفِ السَّنَةِ مُلْحَقٌ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتِهَا الْحَوْلُ لَكِنَّهُ مَدِيدٌ جِدًّا فَقَدَّرْنَا بِهِ، وَالْأَكْثَرُ يُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ فَقَدَّرْنَا بِهِ تَيْسِيرًا، فَإِنَّ اعْتِبَارَ أَكْثَرِهِ أَخَفُّ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.