وَإِبْطَالُ الْمِلْكِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، بِخِلَافِ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّنَاوُلِ تَنْفَكُّ عَنْ زَوَالِ الْمِلْكِ فَاعْتُبِرَ أَمْرًا دِينِيًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
عَنْ زَوَالِ الْمِلْكِ فِي بَابِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَبَّدَةٌ بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ بِالْحَيْضِ وَنَحْوِهِ وَالْأَمْلَاكُ لَا تُزَالُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، بِخِلَافِ حُرْمَةِ اللَّحْمِ حَيْثُ يَنْفَكُّ عَنْ زَوَالِ الْمِلْكِ كَالْخَمْرِ مَمْلُوكِيَّتُهُ مُحَرَّمَةٌ وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، وَإِذَا كَانَتْ الْحُرْمَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ زَوَالَ الْمِلْكِ فَالشَّهَادَةُ قَائِمَةٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْحُرْمَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَيُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ، أَمَّا الْحَدِيثُ فَكَانَ لِلتَّوَرُّعِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَقِيلَ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِخْبَارِ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ لَأَجَابَهُ بِهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، إذَا الْإِعْرَاضُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ السَّائِلِ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِيهِ تَقْرِيرٌ عَلَى الْمُحَرَّمِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِظُهُورِ اطْمِئْنَانِ نَفْسِهِ بِخَبَرِهَا لَا مِنْ بَابِ الْحُكْمِ، وَكَوْنُهَا كَاذِبَةً حَمْقَاءَ عَلَى مَا قِيلَ لَا يَنْفِي اطْمِئْنَانَ النَّفْسِ بِخَبَرِهَا، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْبَلَاهَةِ يُقَارِنُهَا بِحَسَبِ الْغَالِبِ عَدَمُ الْخُبْثِ الَّذِي عَنْهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْقَدْرِ لَا فِي الْجُنُونِ.
وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهَا يُسْتَحَبُّ التَّنَزُّهُ وَلَوْ بَعْدَ النِّكَاحِ، وَكَذَا إذَا شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُمْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ فَإِنَّ الْمَحَارِمَ مِنْ الرِّجَالِ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا الرَّضَاعَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إلْقَامِ الثَّدْيِ لِجَوَازِ حُصُولِهَا بِالْوَجُورِ وَالسَّعُوطِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ مِثْلُ قَوْلِنَا. وَفِي الْمُحِيطِ: لَوْ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ قَبْلَ الْعَقْدِ، قِيلَ يُعْتَبَرُ فِي رِوَايَةٍ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي رِوَايَةٍ.
[فُرُوعٌ]
قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ أُمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ أُخْتِي أَوْ بِنْتِي مِنْ الرَّضَاعِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ أَخْطَأْتُ أَوْ نَسِيَتْ، إنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ قَالَ بَعْدَهُ هُوَ حَقٌّ أَوْ كَمَا قُلْت فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَنْفَعُهُ جُحُودُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالنِّكَاحُ بَاقٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ إنَّمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ بِشَرْطِ الثَّبَاتِ، وَتَفْسِيرُ الثَّبَاتِ مَا ذَكَرْنَا، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ مِمَّا يَخْفَى عَنْ الْإِنْسَانِ فَالتَّنَاقُضُ فِيهِ مُطْلَقًا لَا يَمْنَعُ، بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بَعْدَ التَّرَوِّي فَيُعْذَرُ قَبْلَهُ وَلَا يُعْذَرُ بَعْدَهُ، وَهَذَا فِي النَّسَبِ فِيمَنْ لَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، وَلَوْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ وَأَنْكَرَ هُوَ ثُمَّ قَالَتْ أَخْطَأْت فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْلِفُ الزَّوْجُ عَلَى الْعِلْمِ فِي قَوْلٍ وَعَلَى الْبَتَاتِ فِي قَوْلٍ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَهَا جَازَ وَلَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ عَلَى قَوْلِهَا. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ قَبْلَ التَّزَوُّجِ وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا. قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقَرَّتْ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ مِنْ رَجُلٍ حَلَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مِنْهُ انْتَهَى. وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ فِي غَيْبَتِهَا وَحُضُورِهَا فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ الْخَفَاءُ فَصَحَّ رُجُوعُهَا عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ قَبْلَ التَّرَوِّي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.