الْمَغْلُوبُ غَيْرُ مَوْجُودٍ حُكْمًا حَتَّى لَا يَظْهَرَ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ كَمَا فِي الْيَمِينِ (وَإِنْ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ) وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: إذَا كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ قَالَ ﵁: قَوْلُهُمَا فِيمَا إذَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، حَتَّى لَوْ طَبَخَ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. لَهُمَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْغَالِبِ كَمَا فِي الْمَاءِ إذَا لَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ عَنْ حَالِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الطَّعَامَ أَصْلٌ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ لَهُ فِي حَقِّ الْمَقْصُودِ فَصَارَ كَالْمَغْلُوبِ،
الظَّاهِرَ حُكْمُ الْغَالِبِ، فَكَذَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْقِيَاسِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْمَغْلُوبِ شَرْعًا لَا عَدَمُ تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ لِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ حُرْمَةُ شُرْبِ اللَّبَنِ بِلَا ضَرُورَةٍ لِهَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الْفَرْعِ حَلَّ الشُّرْبُ وَالسَّقْيُ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ النِّكَاحِ، وَحِينَئِذٍ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ أَنْ يَقُولَ: بَلْ هُنَاكَ فَارِقٌ وَهُوَ بِنَاءُ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ لَا يَعْتَبِرُ الْمَغْلُوبَ، فَلَا يُقَالُ لِشَارِبِ مَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ مَغْلُوبٌ شَرِبَ لَبَنًا إلَّا أَنْ يُقَالَ مَخْلُوطًا فَيُقَيِّدُونَهُ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَالْحُرْمَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ وَالْوَضْعُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ وَلَا مَدْفَعَ لِهَذَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ إذَا كَانَ مَغْلُوبًا بِالْمَاءِ فَيَكُونُ غَيْرَ مُنْبِتٍ لِذَهَابِ قُوَّتِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَظِنَّةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْخُلُوِّ عَنْ الْمَئِنَّةِ هَذَا إذَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ، أَمَّا لَوْ اخْتَلَطَ بِالطَّعَامِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَقِيبَ هَذِهِ، وَقَوْلُهُمَا فِيهَا كَقَوْلِهِمْ فِي الِاخْتِلَاطِ بِالْمَاءِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ وَإِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ هَذَا إذَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، أَمَّا إنْ طَبَخَ فَلَا تَحْرِيمَ مُطْلَقًا بِالِاتِّفَاقِ (لَهُمَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْغَالِبِ فَصَارَ كَالْمَاءِ إذَا لَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ عَنْ حَالِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الطَّعَامَ أَصْلٌ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ) وَهُوَ التَّغَذِّي، وَهَذَا؛ لِأَنَّ خَلْطَ اللَّبَنِ بِالطَّعَامِ لَا يَكُونُ لِلرَّضِيعِ إلَّا بَعْدَ تَعَوُّدِهِ بِالطَّعَامِ وَتَغَذِّيهِ بِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَقِلُّ تَغَذِّيهِ بِاللَّبَنِ وَنُشُوئِهِ مِنْهُ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي جَوْفِهِ مَا يُنْبِتُ وَأَحَدُهُمَا أَكْثَرُ وَهُوَ الطَّعَامُ فَيَصِيرُ الْآخَرُ الرَّقِيقُ مُسْتَهْلَكًا فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّبَنَ غَالِبٌ فِي الْقَصْعَةِ، أَمَّا عِنْدَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ إلَى فِيهِ فَأَكْثَرُ الْوَاصِلِ إلَى جَوْفِهِ الطَّعَامُ حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ رَقِيقًا يُشْرَبُ اعْتَبَرْنَا غَلَبَةَ اللَّبَنِ إنْ غَلَبَ وَأَثْبَتْنَا الْحُرْمَةَ، ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَقَاطُرِ اللَّبَنِ هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازًا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَشَايِخِ إنَّ عَدَمَ إثْبَاتِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْحُرْمَةَ وَاللَّبَنُ غَالِبٌ هُوَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَاطِرًا عِنْدَ رَفْعِ اللُّقْمَةِ، أَمَّا مَعَهُ فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْقَطْرَةَ إذَا دَخَلَتْ الْجَوْفَ أَثْبَتَتْ التَّحْرِيمَ، وَالصَّحِيحُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.