يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَخُلْعُ الْمَرِيضَةِ يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا كَانَ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهَا ; وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُهَا بِالثُّلُثِ كُلِّهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوِ اخْتَلَعَتْ بِقَدْرِ مَهْرِ مِثْلِهَا جَازَ، وَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ.
وَأَمَّا الْمُهْمَلَةُ الَّتِي لَا وَصِيَّ لَهَا وَلَا أَبَ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ خُلْعُهَا إِذَا كَانَ خُلْعَ مِثْلِهَا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُ الْمَالِكَةِ لِنَفْسِهَا ; وَشَذَّ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ فَقَالَا: لَا يَجُوزُ الْخُلْعُ إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي نَوْعِِ الخلع فسخ أم طلاق]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي نَوْعِهِ
- وَأَمَّا نَوْعُ الْخُلْعِ: فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ سَوَّى بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فَسْخٌ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَدَاوُدُ وَمِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَإِلَّا كَانَ فَسْخًا، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ: إِنَّهُ طَلَاقٌ.
وَفَائِدَةُ الْفَرْقِ: هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي التَّطْلِيقَاتِ أَمْ لَا؟ وَجُمْهُورُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ طَلَاقٌ يَجْعَلُهُ بَائِنًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لِافْتِدَائِهَا مَعْنًى. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ. وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا بِأَنَّ الْفُسُوخَ إِنَّمَا هِيَ الَّتِي تَقْتَضِي الْفُرْقَةَ الْغَالِبَةَ لِلزَّوْجِ فِي الْفِرَاقِ مِمَّا لَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِيَارِ فَلَيْسَ بِفَسْخٍ. وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ طَلَاقًا بِأَنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الطَّلَاقَ فَقَالَ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ ذَكَرَ الِافْتِدَاءَ، ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: ٢٣٠] . فَلَوْ كَانَ الِافْتِدَاءُ طَلَاقًا لَكَانَ الطَّلَاقُ الَّذِي لَا تَحِلُّ لَهُ فِيهِ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّابِعُ. وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْفُسُوخَ تَقَعُ بِالتَّرَاضِي، قِيَاسًا عَلَى فُسُوخِ الْبَيْعِ - أَعْنِي: الْإِقَالَةَ -. وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ حُكْمَ الِاقْتِدَاءِ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ يَلْحَقُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ لَا أَنَّهُ شَيْءٌ غَيْرُ الطَّلَاقِ. فَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ اقْتِرَانُ الْعِوَضِ بِهَذِهِ الْفُرْقَةِ يُخْرِجُهَا مِنْ نَوْعِ فُرْقَةِ الطَّلَاقِ إِلَى نَوْعِ الْفَسْخِ أَمْ لَيْسَ يُخْرِجُهَا؟ .
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَلْحَقُ الخلع مِنَ الْأَحْكَامِ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِيمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ. - وَأَمَّا لَوَاحِقُهُ: فَفُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا شُهِرَ: فَمِنْهَا: هَلْ يَرْتَدِفُ عَلَى الْمُخْتَلِعَةِ طَلَاقٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْتَدِفُ إِلَّا إِنْ كَانَ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرْتَدِفُ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مُتَّصِلًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَرْتَدِفُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْعِدَّةَ عِنْدَ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَعَ الْمَبْتُوتَةِ أُخْتَهَا. فَمَنْ رَآهَا مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ارْتَدَفَ الطَّلَاقُ عِنْدَهُ، وَمَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.