مَا عَدَا الْمَرِيضَ بِإِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَجْنُونِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»
وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهِمَا الْقَضَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ مُفْسِدًا لِلصَّوْمِ، فَقَوْمٌ قَالُوا: إِنَّهُ مُفْسِدٌ. وَقَوْمٌ قَالُوا: لَيْسَ بِمُفْسِدٍ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَقَوْمٌ قَالُوا: إِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَضَى، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيهِ ضَعْفٌ، فَإِنَّ الْإِغْمَاءَ وَالْجُنُونَ يَرْتَفِعُ بِهِمَا التَّكْلِيفُ وَبِخَاصَّةٍ الْجُنُونَ، إِذَا ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ لَمْ يُوصَفْ بِمُفْطِرٍ وَلَا صَائِمٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي تَرْفَعُ التَّكْلِيفَ إِنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِلصَّوْمِ إِلَّا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَيِّتِ أَوْ فِيمَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعَمَلُ إِنَّهُ قَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ وَعَمَلُهُ.
[قَضَاءُ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ]
; أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ، وَبَعْضَهُمْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ التَّتَابُعَ، وَالْجَمَاعَةُ عَلَى تَرْكِ إِيجَابِ التَّتَابُعِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْقِيَاسُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى صِفَةِ الْقَضَاءِ، أَصْلُ ذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ. أَمَّا ظَاهِرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] فَإِنَّمَا يَقْتَضِي إِيجَابَ الْعَدَدِ فَقَطْ لَا إِيجَابَ التَّتَابُعِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: نَزَلَتْ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ، فَسَقَطَتْ: مُتَتَابِعَاتٌ.
وَأَمَّا إِذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ: فَقَالَ قَوْمٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ صِيَامِ رَمَضَانَ الدَّاخِلِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تُقَاسُ الْكَفَّارَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ أَمْ لَا؟ فَمَنْ لَمْ يُجِزِ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ قَالَ: إِنَّمَا عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ. وَمَنْ أَجَازَ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ قَالَ: عَلَيْهِ الكَفَّارَةُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا ; لِأَنَّ كِلَيْهِمَا مُسْتَهِينٌ بِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، أَمَّا هَذَا فَبِتَرْكِ الْقَضَاءِ زَمَانَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.