(ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل) وفي رواية ابن أبي نعيم فقال: يا رسول الله اتق الله. قال:"ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ "(قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل) لم يضبط في اليونينية تاءي خبت وخسرت هنا وضبطها في غيرها بالضم والفتح على المتكلم والمخاطب والفتح أشهر وأوجه.
قال التوربشتي: هو على ضمير المخاطب لا على ضمير المتكلم وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم العدل منه لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين وليقوم بالعدل فيهم فإذا قدر أنه لم يعدل فقد خاب المعترف بأنه مبعوث إليهم وخسر لأن الله لا يحب الخائنين فضلاً أن يرسلهم إلى عباده. وقال الكرماني: أي خبت وخسرت لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، ولأبي ذر عن الحموي: إذا لم أكن أعدل.
(فقال عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب) نصب بفاء الجواب ولأبي ذر أضرب (عنقه) بإسقاط الفاء وبالجزم جواب الشرط (فقال: دعه) لا تضرب عنقه.
فإن قلت: كيف منع من قتله مع أنه قال: لئن أدركتهم لأقتلنهم؟ أجاب في شرح السنّة: بأنه إنما أباح قتلهم إذا كثروا وامتنعوا بالسلاح واستعرضوا للناس، ولم تكن هذه المعاني موجودة حين منع من قتلهم، وأول ما نجم ذلك في زمان علي ﵁ فقاتلهم حتى قتل كثيرًا منهم. انتهى.
ولمسلم من حديث جابر ﵁ فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق. فقال:"معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". وقال الإسماعيلي: إنما ترك ﷺ قتل المذكور لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب نفرهم عن الدخول في الإسلام، وأما بعده ﷺ فلا يجوز ترك قتالهم إذا أظهروا رأيهم وخرجوا من الجماعة وخالفوا الأئمة مع القدرة على قتالهم.
وفي المغازي من رواية عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد في هذا الحديث فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله، ولمسلم فقال خالد بن الوليد بالجزم وجمع بينهما بأن كلاًّ منهما سأل ذلك، ويؤيده ما في مسلم فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله أنا أضرب عنقه. قال:"لا". ثم أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال:"لا". قال في فتح الباري: فهذا نص في أن كلاًّ منهما سأل.
وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد