فَإِنْ أَصَرَّ كَانَ الْإِصْرَارُ كَارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، وَأَمَّا الْإِصْرَارُ السَّالِبُ لِلْعَدَالَةِ أَهْوَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الصَّغَائِرِ أَمْ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّغَائِرِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ؟ مِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَهُ الثَّانِيَ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إنَّ مَنْ يَغْلِبُ طَاعَتُهُ مَعَاصِيَهُ كَانَ عَدْلًا وَمَنْ يَغْلِبُ مَعَاصِيَهُ طَاعَتَهُ كَانَ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَإِذَا قُلْنَا بِهِ لَمْ تَضُرَّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الصَّغَائِرِ إذَا غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ وَعَلَى الِاحْتِمَالَاتِ الْأُوَلِ تَضُرُّ. اهـ. وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمَا تَرْجِيحُ الثَّانِي وَهُوَ كَذَلِكَ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ سُرَاقَةَ وَغَيْرُهُ.
وَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ وِفَاقًا لِكَثِيرِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْأَذْرَعِيِّ وَالْبُلْقِينِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَابْنِ الْعِمَادِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا تَضُرُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الصَّغَائِرِ وَلَا عَلَى أَنْوَاعٍ سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الصَّغِيرَةِ أَوْ الصَّغَائِرِ أَوْ مُكْثِرًا مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ حَيْثُ غَلَبَ الطَّاعَاتُ الْمَعَاصِيَ وَإِلَّا ضَرَّ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِلشَّيْخَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الصَّغِيرَةِ تُصَيِّرُهَا أَيْ مِثْلَهَا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، لَكِنَّ النَّوْعَ إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ كَوْنُ طَاعَتِهِ لَمْ تَغْلِبْ مَعَاصِيَهُ، وَوَقَعَ لِلْإِسْنَوِيِّ تَقْرِيرٌ لِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ قَدْ يُخَالِفُ بَعْضَ مَا قَرَّرْته فَلَا تَغْتَرَّ بِهِ، فَقَدْ اعْتَرَضَهُ وَرَدَّهُ الْبُلْقِينِيُّ وَابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرُهُمَا وَيُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْنَاهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ مَعَاصِيَهُ كَانَ عَدْلًا.
إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ غَلَبَتْ مَعَاصِيهِ طَاعَاتِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَعَاصِي مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْمَذْهَبُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ النُّصُوصُ إنَّ مَنْ كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَيْهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَوْ الْمَعْصِيَةَ وَخِلَافَ الْمُرُوءَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، فَقَوْلُ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمْ إنَّ الْعَضْلَ ثَلَاثًا كَبِيرَةٌ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الضَّعِيفِ أَيْ أَوْ يُحْمَلُ كَمَا مَرَّ مَا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ غَلَبَةُ الْمَعَاصِي. وَعِبَارَةُ الْعَبَّادِيِّ: حَدُّ الْفِسْقِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الْجَرْحُ أَنْ يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً أَوْ يَغْلِبَ صَغَائِرُهُ عَلَى طَاعَاتِهِ قَالَ: وَحَدُّ الْمُرُوءَةِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يَسْتَكْرِهُهُ النَّاسُ مِنْ مِثْلِهِ مِثْلُ الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ قَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْأَكْلِ أَوْ ضَيَّقَ عَلَيْهَا فِي الْمَلْبَسِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ. ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الْعِمَادِ قَالَ: مَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الشَّاهِدَ يَفْسُقُ وَالتَّفْسِيقُ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَا عَنْ كَبِيرَةٍ، فَقَدْ يَكُونَانِ عَنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَعَنْ صَغِيرَةٍ وَاحِدَةٍ يَعْظُمُ خَطَرُهَا كَقُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ. اهـ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.