ثُمَّ بَاعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ لِآخَرَ فَلِلشَّاهِدِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ.
فَقَدْ صَحَّحُوا أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْأَخْذُ قُلْت لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَحِّحُوا أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ وَأَبْقَوْهُ لَهُ بَلْ أَوْجَبُوا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ لِاعْتِرَافِهِ بِشَهَادَتِهِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ مِلْكُهُ فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ أَخَذْنَاهُ بِقَضِيَّةِ شَهَادَتِهِ فَكَانَ هَذَا أَعْنِي رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ هُوَ الْمُسَوِّغُ لِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ بِهَا يَزْعُمُ بُطْلَانَ الْبَيْعِ وَقَوْلُ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بَلْ إلَى إنْكَارِهِ أَصْلُ الشَّرِكَةِ إلَخْ عَجِيبٌ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ بَيْنَ إنْكَارِ الشَّرِكَةِ وَإِنْكَارِ الشِّرَاءِ إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ الشَّرِيكِ الْقَدِيمِ مَانِعٌ مِنْ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوجِبُ إقْرَارَهُ بِعَدَمِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ الشَّرِيكِ الْقَدِيمِ وَإِذَا أَنْكَرَ مِلْكَ الْمُشْتَرِي لِلشِّقْصِ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ أَخْذَهُ لَهُ وَقَوْلُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الشَّرِكَةِ إنْكَارُ مُطْلَقِ الشَّرِكَةِ أَعْجَبُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالشَّرِكَةِ الْأُولَى نَوْعًا خَاصًّا مِنْهَا لَزِمَ مِنْ إنْكَارِهِ إنْكَارُ مُطْلَقِهَا وَإِنْ أَرَادَ بِالشَّرِكَةِ الْأُولَى مُطْلَقَهَا كَانَتْ هِيَ عَيْنُ الثَّانِيَةِ فَيَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ إحْدَاهُمَا إنْكَارُ الْأُخْرَى وَلَعَلَّ فِي ذَلِكَ تَحْرِيفًا وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الشِّرَاءِ إنْكَارُ مُطْلَقِ الشَّرِكَةِ وَهَذَا اللُّزُومُ الصَّحِيحُ لَا يُفِيدُ فِي مَسْأَلَتنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فَحَيْثُ اعْتَرَفَ بِهِ لَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ سَوَاء أَنْكَرَ أَصْلَ الشَّرِكَةِ أَمْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ كَمَا فِي صُورَةِ السُّؤَالِ.
(وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا تَمَلَّكَ الشَّفِيعُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الصِّيَغِ وَبِشَرْطِهِ مَثَلًا ثُمَّ لَمْ يُسَلِّمْ الثَّمَنَ قَالُوا يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يُسَلِّم فَسَخَ الْحَاكِمُ تَمَلُّكَهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ فِي الدَّمِيرِيِّ خِلَافًا حَتَّى قَالَ: وَقِيل بِحَبْسِ الشَّفِيعِ فَهَلْ الْمُشْتَرِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ إجْبَار الشَّفِيعِ عَلَى التَّسْلِيمِ أَوْ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا فَسْخُ الشُّفْعَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ فَسَخَ الْحَاكِمُ تَمَلُّكَهُ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ عِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ الَّتِي أَجْمَلهَا السَّائِل إذَا تَمَلَّكَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَسَلَّمَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَائِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ بِتَأْخِيرِ الْبَائِعِ حَقَّهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ حَاضِرًا بِأَنْ غَابَ مَالُهُ وَقْتَ التَّمَلُّكِ أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا انْفَضَّتْ وَلَمْ يَحْضُرهُ فَسَخَ الْقَاضِي تَمَلُّكَهُ وَقِيلَ: إذَا قَصَّرَ فِي الْأَدَاءِ بَطَلَ حَقُّهُ وَقِيلَ: إنَّ الْمُشْتَرِي يَفْسَخُ وَقِيلَ: يُحْبَسُ الشَّفِيعُ حَتَّى يُوَفِّيَ الثَّمَنَ انْتَهَتْ وَهِيَ وَاضِحَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَعَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِي عَقِبَ مُضِيِّ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي صُورَةِ غَيْبَةِ الثَّمَنِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى حُضُورِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ لِيَفْسَخَ وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْفَسْخِ وَلَا إجْبَارُ الشَّفِيعِ عَلَى التَّسْلِيمِ.
(وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ قَوْلِ الدَّمِيرِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَ حِصَّتِهِ لِرَجُلٍ مَثَلًا ثُمَّ بَاقِيهَا لِآخَر فَالشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ فِي حَالِ بَيْعِهِ شَرِيكٌ إلَّا الْبَائِعُ وَالْبَائِعُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَهُ بِالشُّفْعَةِ. اهـ. هَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْبَيْعُ فِي الِابْتِدَاءِ أَمَّا بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّرِيكُ الْقَدِيمُ فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ بِالشُّفْعَةِ بِقِسْطِهِ مِمَّا يَمْلِكُ الشَّرِيكُ الْقَدِيمُ بِالشُّفْعَةِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ تَمَلُّكَ الشُّفْعَةِ مُعَاوَضَةٌ قُلْنَا هَذَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا فِي الْأَنْوَارِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا هُوَ أَصَرْحُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَيْ الْبَائِعُ مِنْ أَخْذِهِ إلَخْ؟
(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كَأَنَّ السَّائِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا بَاعَ نِصْفَ حِصَّتِهِ وَأَخَذَهَا شَرِيكُهُ بِالشُّفْعَةِ كَانَ هُوَ حِينَ الْأَخْذِ شَرِيكًا قَدِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ فَلِمَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الشَّفِيعِ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ فَكَأَنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَى الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ وَالشَّفِيعُ لَهُ شَرِيكٌ قَدِيمٌ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُشَارِكَهُ هَذَا حَاصِلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَم مِنْ كَلَامِ السَّائِلِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ.
وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ بَلْ صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُمْ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَاعَهُ بِالشُّفْعَةِ أَنَّ الْبَائِع لَا شُفْعَة لَهُ عَلَى الشَّفِيعِ مُطْلَقًا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ الشُّفْعَة إمَّا دَفْعُ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ دَفْعُ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ يَمْنَعُ أَخْذَ الْبَائِعِ مِنْ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَاعَ بَعْضَ حِصَّتِهِ لِغَيْرِ شَرِيكِهِ كَانَ مِنْهُ نَوْعُ تَعَدٍّ إذْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ مَنْ يَضُرُّهُ بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ أَوْ مَنْ يُسِيءُ مُشَارَكَتَهُ فَدَفَعَ الشَّارِعُ ذَلِكَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.