{فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: ٢٥٨] بَعْدَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِانْتِقَالٍ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْكَمَالِ فِي صَنْعَةِ الْجَدَلِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الِاحْتِجَاجَ عَلَى الْمُلْحِدِ بِمَا يَعْجِزُ هُوَ عَنْهُ وَيَعْتَرِفُ بِهِ. وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ، أَوْرَدَ الْمُلْحِدُ شُبْهَةً خَيَالِيَّةً عَلَيْهِ فَبَدَّلَ ذَلِكَ الْمِثَالَ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ بِمِثَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيرَادِ شُبْهَةٍ خَيَالِيَّةٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} [البقرة: ٢٥٨] . وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِثَالَيْنِ يَعْجِزُ عَنْهُ الْمُلْحِدُ قَطْعًا، إلَّا أَنَّ الْمِثَالَ الثَّانِيَ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ عَلَى إيرَادِ شُبْهَةٍ خَيَالِيَّةٍ عَلَيْهِ، فَإِذَنْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا يَعْجِزُ مُدَّعِي الْإِلَهِيَّةِ عَنْهُ، وَالْمِثَالَانِ مُشْتَرَكَانِ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْمِثَالَ الْأَوَّلَ أَمْكَنَهُ أَنْ يُبْدِيَ خَيَالًا فَاسِدًا عَلَيْهِ، وَالثَّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ وَلَيْسَ انْتِقَالًا أَصْلًا.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: لَيْسَ هَذَا انْتِقَالًا، لِأَنَّ خَصْمَهُ لَمْ يَفْهَمْ دَلِيلَهُ الْأَوَّلَ، وَعَارَضَهُ عَلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى بِتَرْكِهِ قَتْلَ مَنْ يُمْكِنُهُ قَتْلُهُ. وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ لِعَجْزِهِ عَنْ إحْيَاءِ مَنْ قَدْ مَاتَ، فَلَمَّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ أَلْزَمَهُ حُجَّةً أُخْرَى هِيَ إلَى فَهْمِ خَصْمِهِ أَقْرَبُ فَقَالَ: إنْ كُنْت إلَهًا فَاقْلِبْ الشَّمْسَ فِي سَيْرِهَا إلَى طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا إنْ كُنْت مُجْرِيهَا، فَاعْتَرَفَ خَصْمُهُ عَنْ جَوَابِهِ فِي الْحُجَّةِ الثَّانِيَةِ وَكَانَ فِي التَّحْقِيقِ مُنْقَطِعًا عَنْ الْجَوَابِ فِي الْأُولَى قَبْلَ الثَّانِيَةِ لَوْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَرْبَعِينَ ": الدَّلِيلُ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُوَ حُدُوثُ مَا لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى إحْدَاثِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قَادِرٍ آخَرَ غَيْرِ الْخَلْقِ. ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى لَهُ أَمْثِلَةُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا. فَهَذَا كَانَ انْتِقَالًا مِنْ مِثَالٍ إلَى مِثَالٍ. أَمَّا الدَّلِيلُ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَالَيْنِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.