إنها تدنيك من الدنيا، قال: لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا؛ فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في جنازة فقالوا له: اذهب إلى دكانك.
(وَارْزُقُوهُمْ فِيها): واجعلوها مكانًا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا؛ حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها الإنفاق.
تمسحت به. كنى به عن الابتذال. وقيل: هو مأخوذ من الندل؛ وهو الوسخ؛ لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، قال الجوهري: ويقال: تمندلت، أيضاً.
قوله:(في جنازة)، ويروى: في ختارة. الأساس: هو ختار، وهو من أهل الختر، وهو أقبح الغدر. وفي "نوابغ الكلم": رب من هو محتار وهو عند الله مختار، والأولى أنسب بالمقام للمبالغة، كأنهم قالوا: إن تشييع الجنازة من فروض الكفاية، والاكتساب من فروض العين.
قوله:((وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا)) "في" هذه كما في قوله تعالى: (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)[طه: ٧١]، فجعل الأموال أنفسها ظروفاً للرزق، فيلزم أن يكون الإنفاق من الربح لا من المال الذي هو الظرف؛ فلو قيل:"منها" لكان الإنفاق من نفس المال، ويؤيد هذا التأويل ما روى الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس، فقال:"ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة". وأخرجه أيضاً صاحب "شرح السنة" عنه.