غَيْرِ مَوْضِعٍ, بَلْ ذَكَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ تَدَاوَلَهُ كُلُّ الْكُفَّارِ لِرُسُلِهِمْ, فَقَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ} [الذَّارِيَاتِ: ٥٢] الْآيَةَ, قال سُبْحَانَهُ فِي ذَمِّ الْيَهُودِ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: ١٠١، ١٠٢] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الْفَلَقِ: ٤] وَالنَّفَّاثَاتُ هُنَّ السَّوَاحِرُ يَعْقِدْنَ وَيَنْفُثْنَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ وغيرها مما سَنَذْكُرُ وَمِمَّا لَا نَذْكُرُ, أَنَّ السِّحْرَ حَقِيقَةٌ وُجُودُهُ.
"وَلَهُ تَأْثِيرٌ" فَمِنْهُ مَا يُمْرِضُ وَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ وَمِنْهُ مَا يَأْخُذُ بِالْعُقُولِ وَمِنْهُ مَا يَأْخُذُ بِالْأَبْصَارِ وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ "لَكِنَّ" تَأْثِيرَهُ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ "بِمَا قَدَّرَهُ الْقَدِيرُ" سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَيْ: بِمَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ وَخَلَقَهُ عِنْدَمَا يُلْقِي السَّاحِرُ مَا أَلْقَى؛ وَلِذَا قُلْنَا "أَعْنِي بِذَا التَّقْدِيرِ" فِي قَوْلِهِ: بِمَا قَدَّرَهُ الْقَدِيرُ "وما قَدْ قَدَّرَهُ فِي الْكَوْنِ" وَشَاءَهُ "لَا" أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ "فِي الشِّرْعَةِ" الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهَا رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهَا كُتُبَهُ "الْمُطَهَّرَةَ" مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَضَاءَ وَالْأَمْرَ وَالْحُكْمَ وَالْإِرَادَةَ, كُلٌّ منها ينقسم إلى كَوْنِيٍّ وَشَرْعِيٍّ؛ فَالْكَوْنِيُّ يَشْمَلُ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَيُحِبُّهُ شَرْعًا وَمَا لَا يَرْضَاهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا يُحِبُّهُ, وَالشَّرْعِيُّ يَخْتَصُّ بِمَرْضَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَحَابِّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي الشَّرْعِيِّ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.