حاجة له الدنيا، يقوم الليل، ويصوم النهار. فجاء أبو الدرداء، فرحب به، وقرب إليه طعاماً. فقال له سلمان: كل. قال: إني ضائم. قال: أقسمت غليك لتفطرن، فأكل معه، ثم بات عنده، فلما كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقوم، فمنعه سلمان وقال: إن لجسدك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً؛ صم، وأفطر، وصل، وائت أهلك، وأعط كل ذي حق حقه.
فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت؛ فقاما، فتوضا، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول الله بالذي أمره سلمان. فقال له:«يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقاً، مثل ما قال لك سلمان»(١).
قال أبو الدرداء: لو نسيت آية لم أجدا أحداً يذكرنبها إلا رجلاً ببرك الغماد (٢)، رحلت إليه.
عن أبي الدرداء، قال: سلوني، فوالله لئن فقدتموني لتفقدن رجلاً عظيماً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
عن يزيد بن عميرة، قال: لما حضرت معاذاً الوفاة، قالوا: أوصنا. فقال: العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما - قالها ثلاثاً - فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وسلمان، وابن مسعود، وعبد الله بن سلام، الذي كان يهودياً فأسلم.
عن عبد الرحمن الحجري، قال: قال أبو ذر لأبي الدرداء: ما حملت ورقاء، ولا أظلت خضراء (٣)، أعلم منك يا أبا الدرداء.
عن مسروق: قال: وجدت علم الصحابة انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد،
(١) رواه البخاري (٤/ ٢٠٩) ٣٠ - كتاب الصوم - ٥١ - باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع. والترمذي (٤/ ٦٠٨) ٣٧ - كتاب الزهد، باب: ٦٣. مبتذلة: لابسة ثياب البذلة وهي المهنة. (٢) برك الغماد: موضع بناحية اليمن، وقيل: موضع في أقاصي أرض هجر. (٣) الورقاء: الغيراء، أراد بها الأرض، والخضراء: السماء.