ثُمَّ رَأَيْنَاكَ أَيُّهَا المُعَارِضُ بَعْدَمَا فَرَغْتَ مِنْ إِظْهَارِ حُجَجِ الجَهْمِيَّةِ مِنْ كَلَامِ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ وَنُظَرَائِهِ، تَقَلَّدْتَ كَلَامَ ابْنِ الثَّلْجِيِّ الَّذِي كَانَ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ التَّجَهُّمِ بَعْدَمَا لَمْ تَدَعْ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنْ كَبِيرِ حُجَّةٍ إِلَّا قُمْتَ بِهَا، وَأَظْهَرْتَهَا، وَزَيَّنْتَهَا فِي أَعْيُنِ الجُهَّالِ وَدَعَوْتَهُمْ إِلَيْهَا، وَبَعْدَمَا صَرَّحْتَ بِأَنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِكَ هَذَا، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ. فَهُوَ عِنْدَكَ كَافِرٌ، وَأَنَّ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِزَعْمِكَ.
ثُمَّ أَنْشَأْتَ طَاعِنًا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَسَطَّرْتَ فِيهِ الأَسَاطِيرَ، وَأَكْثَرْتَ مِنَ المَنَاكِيرِ، وغَلَطت فِي كَثِيرٍ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ فِي القُرْآنِ إِنَّهُ «مَخْلُوقٌ»، «غير مَخْلُوقٍ»: بِدْعَةٌ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُخَاضُ فِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ، فَحَكَمْتَ أَيُّهَا المُعَارِضُ عَلَى نَفْسِكَ بِالبِدْعَةِ، وَشَهِدْتَ بِهَا على نَفْسِكَ، لَما أَنَّكَ صَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ قَوْلُكَ: كَلَامُ الله غَيْرُ الله، وَهُوَ مِنْ أَفَاعِيلِهِ، وَالأَفَاعِيلُ بِزَعْمِكَ زَائِلَةٌ عَنْهُ مَخْلُوقَةٌ، فَحَكَمْتَ على نَفْسِكَ بِمَا تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ.
فَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الخَوْضَ فِي القُرْآنِ فَقَدْ صَدَقْتَ. وَأَنْتَ، [٣٥/و] المُخَالِفُ لَهُمْ؛ لَما أَنَّكَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِيهِ الخَوْضَ، وَجَمَعْتَ عَلَى نَفْسِكَ كثيرًا مِنَ النَّقْضِ، فَمِثْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ كَرَاهِيَةِ الخَوْضِ فِيهِ كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - لِلْخَوَارِجِ حِينَ قَالُوا:
«لَا حُكْمَ إِلَّا لله» فَقَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ».
فَقَدْ خُضْتَ فِيهَا أَيُّهَا المُعَارِضُ بِأَقْبَحِ خَوْضٍ، وَضَرَبْتَ لَهُ أَمْثَالَ السُّوءِ، وَصَرَّحْتَ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ، كَمَا قَالَ إِمَامُكَ المَرِيسِيُّ: مَجْعُولٌ، وَكُلُّ مَجْعُولٍ عِنْدَكَ مَخْلُوقٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute