أَنَّكَ قَدْ صَرَّحْتَ بِمَا قُلْنَا، إِذْ قِسْتهُ فِي عَرْشِهِ بِمُتَغَلِّبٍ غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا بِغَلَبَةٍ؟
فَفِي دَعْوَاكَ لَمْ يَأْمَنِ اللهُ أَنْ يُغْلَبَ؛ لِأَنَّ المُغَالِبَ المُسْتَوْلِيَ رُبَّمَا غَلَبَ، وَرُبَمَا غُلِبَ.
فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ بِجَاهِلٍ أَجْهَلَ بِالله مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّ اللهَ اسْتَوْلَى عَلَى عَرْشِهِ مُغَالَبَةً، ثُمَّ يَقِيسُهُ فِي ذَلِكَ بِمُتَغَلِّبٍ فَيَقُولُ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ: غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَهْلِهَا؟ وَأَيْنَ مَا انْتَحَلْتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُشَبِّهَ اللهَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ يَتَوَهَّمَ فِيهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الخَلْقِ، وَقد شَبَّهْتَه بِمُتَغَلِّب غَلَبَ عَلَى مَدِينَةٍ بِغَلَبَةٍ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا؟
لَو وَلَدَتْكَ أُمُّكَ أَصَمَّ أَخْرَسَ؛ كَانَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَأَوَّلَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي الله تَعَالَى وَفِي عَرْشِهِ.
فَأَقْصِرْ أَيُّهَا المَرْءُ الضَّعِيفُ. فَإِنَّكَ لَنْ تَدْفَعَ العَرْشَ وَالكُرْسِيَّ بِمِثْلِ هَذَا الحَشْوِ وَالخُرَافَاتِ وَالعَمَايَاتِ؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ بِهِمَا قَدْ خَلُصَ إِلَى كُلِّ مَنْ عَرَفَ الله: مِنْ عَالِمٍ أَوْ جَاهِلٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ: قِيَاسُكَ الله بِمِقْيَاسِ العَرْشِ وَمِقْدَارِهِ ووَزنه من صغَر أَوْ كِبَرٍ، وَزَعَمْتَ كَالصِّبْيَانِ العِمْيَانِ إِنْ كَانَ الله أَكْبَرَ مِنَ العَرْشِ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ فَإِنْ كَانَ الله أَصْغَرَ؛ فَقَدْ صَيَّرْتُمُ العَرْشَ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ العَرْشِ؛ فَقَدِ ادَّعَيْتُمْ فِيهِ فَضْلًا عَلَى العَرْشِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا ضَمَّ إِلَى العَرْشِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ؛ كَانَتْ أَكْبَرَ، مَعَ خُرَافَاتٍ تَكَلَّمَ بهَا وَتُرَّهَاتٍ تَلَعَّبَ بهَا، وضَلَالَاتٍ تَضِلُّ بِهَا.
لَوْ كَانَ مَنْ يعْمَلُ عَلَيْهِ لله؛ لَقَطَعَ ثَمَرَةَ لِسَانِهِ، وَالخَيْبَةُ لِقَوْمٍ هَذَا فَقِيهُهُمْ،
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute