يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [فاطر: ١٤] وَلَوْ كَانَ مَعْنَى السَّمْعِ وَالبَصَرِ: إِدْرَاكَ الأَصْوَاتِ وَتَرَائِيَ الأَجْسَامِ لَكَانَ ذَلِكَ يُدْرِكُ الأَصْنَامَ كَمَا يُدْرِكُ اللهَ -فِي دَعْوَاكُمْ-، وَلَكِن مَا وَصَفْتَ أَيُّهَا
المَرِيسِيُّ صِفَةُ الأَصْنَامِ لَا صِفَةُ الله تعالى, فَإِلَى مثل هَذَا المَعْنَى تَقْصِدُ فِي سَمْعِ الله وَبَصَرِهِ، وَقَدْ سَمِعْنَاهُ مِنْ بَعْضِ خُطَبَائِكُمْ يُغَالِطُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَجِ أَنْبَاطَ كُوثَى، أَوْ أَبْطَاطَا، أَوْ يَهُودَ الحِيرَةِ؛ أهلَ مِلَّة أَبِيك، وجِيرَانَه.
(٥٥) فَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا هِشَامٍ الرِّفَاعِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا نُعَيْمٍ يَقُولُ: إِنَّهُ رَأَى أَبَاكَ يَهُودِيًّا صَابِغًا بِالحِيرَةِ (١).
وَأَمَّا دَعْوَاكَ: أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللهَ بِالسَّمْعِ الَّذِي هُوَ السَّمْعُ، وَالبَصَرُ الَّذِي هُوَ البَصَر، ومَيَّزَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى العَجْزِ، فَمَا ظَنَنَّا أَيُّهَا المَرِيسِيُّ أَنَّهُ يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَّ العَاجِز الضَّعِيف المُضْطَر المُحْتَاج الَّذِي لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ حَتَّى ادَّعَيْتَ أَنْتَ عَلَى جَهْلٍ مِنْكَ، وَمَا يَدْعُوكَ إِلَى ذِكْرِ العَاجْزِ (٢) وَالقُوَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ خُرَافَاتِكَ؟
صِفْهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، إِنَّهُ القَوِيُّ المَتِينُ الغَنِيُّ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَجَمِيعِ الذَّوَاتِ وَعَلَى كُلِّ الحَالَاتِ، وَهُوَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، المُتَعَالِي عَمَّا نَسَبْتَهُ إِلَيْهِ، قَاتَلَكَ الله! مَا أَكْفَرَكَ! وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ بِكُفْرِكَ قَدِيمًا، [١٦/و] وَحُكِيَ لِي بَعْضُهُ عَنْكَ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَعْتَقِدُ مِنْ أَنْوَاعِ الكُفْرِ كُلَّمَا رَوَى عَنْكَ المُعَارِضُ.
(١) قال الإمام في مسائله رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٦٢) ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ هَاشِمَ بْنَ الْقَاسِمِ، يَقُولُ: «كَانَ أَبُو بِشْرٍ الْمَرِيسِيُّ يَهُودِيًّا قَصَّارًا أَوْ صَبَّاغًا فِي سُوَيْقَةِ ابْنِ نَضْرِ بْنِ مَالِكٍ».(٢) كذا، وفي «س»، ونسختين على «ع»: العجز.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute