آخرها، فلمَّا وصل إلى قوله:{خَلْقًا آخَرَ} خطَر ببالِهِ: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}[المؤمنون: ١٤]، تعجَّبَ من تفصيل خلق الإنسان طورًا بعد طور، فأملاها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك؛ يعني: ما جرى في خاطرِهِ، فقال عبد الله: إنْ كانَ قوله وحيًا، فأنا نبيٌّ ويُوحَى إلي. فسبقه الحكمُ الأزليُّ بكفره فارتد، ولحق بالمشركين، نعوذ بالله من ذلك.
* * *
٤٦١٤ - وقَالَ أَبُو أيُّوب: خرجَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقد وَجَبَت الشَّمْسُ، فَسمِعَ صَوْتًا فَقَال:"يَهودُ تُعذَّبُ في قبُورِها".
قوله:"وقد وَجَبت الشمسُ"، (وجبت): إذا غربت، (الجِبَةُ): الغروب.
قوله:"فسمع صوتًا، فقال: يهودُ تعذَّبُ في قبورها"، فسماعُ هذا الصوت له - صلى الله عليه وسلم -؛ إما قد كُشِفَ له من عالم الغيب، كما كُشِفَ له أشياءُ كثيرة من الغيب، ومثلُ هذا لا ينكشف إلا لنبي أو ولي، قال الله - عز وجل -: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: ٢٦ - ٢٧]، أو سمع بسمعه الملكوتي القدسي - صلى الله عليه وسلم -.
وفيه دليلٌ على أن عذابَ القبر حقٌّ.
* * *
٤٦١٥ - وَقَالَ جَابرٌ - رضي الله عنه -: قَدِمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منْ سَفَرٍ، فلَمَّا كَانَ قُرْبَ المَدينةِ هَاجَتْ رِيحٌ تكادُ أنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فقالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "بُعِثَتْ هذِه الرِّيحُ لمَوْتِ مُنافِقٍ"، فقَدِمَ المَدِينَةَ، فإذا عَظيمٌ مِنَ المُنافِقينَ قدْ ماتَ.
قوله:"هاجت ريحٌ تكادُ أن تدفن الراكب"؛ أي: ممَّا ثار من الغبار والتراب