الشَّهَادَاتُ
فِي الْبُيُوعِ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْجَامِعِ مِنْ اخْتِلَافِ الْحُكَّامِ وَالشَّهَادَاتِ وَمِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِنْ مَسَائِلَ شَتَّى سَمِعْتهَا مِنْهُ لَفْظًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} فَاحْتَمَلَ أَمْرُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمْرَيْنِ: أَحَدَهُمَا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا تَرْكُهُ وَالْآخَرَ حَتْمًا يَعْصِي مَنْ تَرَكَهُ بِتَرْكِهِ فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ تَبَايُعٌ بِالْإِشْهَادِ، وَقَالَ فِيهَا {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُولَى دَلَالَةٌ عَلَى الْحَضِّ لِمَا فِي الْإِشْهَادِ مِنْ مَنْعِ التَّظَالُمِ بِالْجُحُودِ أَوْ بِالنِّسْيَانِ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ بَرَاءَاتِ الذِّمَمِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا غَيْرُ وَكُلُّ أَمْرٍ نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ فَهُوَ الْخَيْرُ الَّذِي لَا يُعْتَاضُ مِنْهُ مَنْ تَرَكَهُ وَقَدْ حُفِظَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ بَايَعَ أَعْرَابِيًّا فَرَسًا فَجَحَدَهُ بِأَمْرِ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إشْهَادٌ» فَلَوْ كَانَ حَتْمًا مَا تَرَكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
بَابُ عِدَّةِ الشُّهُودِ وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ فِيهِ النِّسَاءُ وَحَيْثُ يَجُوزُ وَحُكْمُ الْقَاضِي بِالظَّاهِرِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَدَلَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِقَوْلِهِ {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} «وَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت لَوْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ نَعَمْ» وَجَلَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلَاثَةً لَمَّا لَمْ يُقِمْ الرَّابِعُ وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْإِمْسَاكِ وَالْفِرَاقِ {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} فَانْتَهَى إلَى شَاهِدَيْنِ وَدَلَّ عَلَى مَا دَلَّ قَبْلَهُ مِنْ نَفْيِ أَنْ يَجُوزَ فِيهِ إلَّا رِجَالٌ لَا نِسَاءَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ، وَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي آيَةِ الدَّيْنِ {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شُهُودِ الزِّنَا وَلَا الْفِرَاقِ وَلَا الرَّجْعَةِ امْرَأَةً وَوَجَدْنَا شُهُودَ الزِّنَا يَشْهَدُونَ عَلَى حَدٍّ لَا مَالٍ، وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ تَحْرِيمٌ بَعْدَ تَحْلِيلٍ وَتَثْبِيتُ تَحْلِيلٍ لَا مَالَ وَالْوَصِيَّةُ إلَى الْمُوصَى إلَيْهِ قِيَامٌ بِمَا أَوْصَى بِهِ إلَيْهِ لَا أَنَّ لَهُ مَالًا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَالَفَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الزِّنَا إلَّا الرِّجَالُ وَأَكْثَرُهُمْ قَالَ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي الرَّجْعَةِ إذَا تَنَاكَرَ الزَّوْجَانِ، وَقَالُوا ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ كَالدَّلَالَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَكَانَ أَوْلَى الْأُمُورِ بِأَنْ يُصَارَ إلَيْهِ وَيُقَاسَ عَلَيْهِ وَالدَّيْنُ مَالٌ فَمَا أَخَذَ بِهِ الْمَشْهُودُ لَهُ مَا لَا جَازَتْ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا الرِّجَالُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وَقَالَ {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ حَيْثُ يُجَزْنَ إلَّا مَعَ الرَّجُلِ وَلَا يَجُوزُ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَتَانِ فَصَاعِدًا وَأَصْلُ النِّسَاءِ أَنَّهُ قَصَرَ بِهِنَّ عَنْ أَشْيَاءَ بَلَغَهَا الرِّجَالُ أَنَّهُمْ جُعِلُوا قَوَّامِينَ عَلَيْهِنَّ وَحُكَّامًا وَمُجَاهِدِينَ وَأَنَّ لَهُمْ السَّهْمَيْنِ مِنْ الْغَنِيمَةِ دُونَهُنَّ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَالْأَصْلُ أَنْ لَا يُجَزْنَ فَإِذَا أُجِزْنَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْدُ بِهِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ وَكَيْفَ أَجَازَهُنَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَرَدَّهُنَّ فِي الْحُدُودِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَفِي إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يُجَزْنَ عَلَى الزِّنَا وَلَمْ يَسْتَبِنْ فِي الْإِعْوَازِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يُجَزْنَ فِي الْوَصِيَّةِ إذْ لَمْ يَسْتَبِنْ فِي الْإِعْوَازِ مِنْ شَاهِدَيْنِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.