الأمر الرابع: أنَّ الحكم في الحديث علق على مجهول (يعني تقدير القلتين)، ولو علَّق الشرع عليه الحكم، لَعلَّقَه على معلوم؛
قال ابن العربي:((أَلا ترى أنَّ الشافعي تعلَّقَ بحديث القلتين، وجعله تقديرًا، وخفي عليه أنَّ الحديث ليس بصحيح، بدليل أنَّ الحديث بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علَّق عليه الحكم، وهو مجهول ساقط، إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم علَّق عليه الحكم لعلَّقه على معلوم، كما علم الصاع والوسق، حتى كان الحكم المعلَّق عليه شرعًا، المقدّر به صحيحًا)) (أحكام القرآن ٣/ ٤٤٦).
وأجاب عن ذلك المعلمي اليماني، فقال: ((أقول: قال الله عز وجل: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة}، ومن المساكين: الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير، وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة إذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل فيمكن الأخذ بمعنى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلًا كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفى ما يسمّى كسوة المساكين. ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذٍ وزاد على ذلك داخل في الحكم