كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ... قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا
أي: ذهب يمينًا وشمالًا (١).
قال ابن عاشور: "و (السواء): الوسط من كل شيء (٢)، قال بلعاء بن قيس (٣):
غَشَّيْتُه وهو في جَأَوَاءَ باسلة ... عَضْبَاً أصاب سواءَ الرأس فانفلقا
ووسط الطريق: هو الطريق الجادة الواضحة، لأنه يكون بين بنيات الطريق التي لا تنتهي إلى الغاية" (٤).
و{السبيلُ} في اللغة: الطريقُ، والمراد به طريق الاستقامة" (٥)، و"هذه السبيل التي أخبر الله عنها، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها، هي الصراط المستقيم، الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)} [الفاتحة: ٦ - ٧] " (٦).
قال ابن عطية: " و {السَّبِيلِ}، عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها" (٧).
واختلف في قوله تعالى: {(سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: ١٠٨]، على وجهين: (٨):
أحدهما: أن (السواء) أي: القصد والمنهج، عن الفراء، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته، أي طريق طاعة الله عز وجل (٩).
والثاني: أن (السواء) من كل شيء: الوسط، قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنه قوله: {سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصافات: ٥٥]، أي: "وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه، ومنه قوله {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: ٥٨]، يعني: أعلمهم، حتى يستوي علمك وعلمهم" (١٠).
وقال عيسى بن عمر: "كتبت حتى انقطع سوائي، [يعني وسطي] (١١)، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم، على ما ذكر ابن إسحاق وغيره (١٢):
يا ويح أصحاب النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
وقال أبو عبيد: هو في عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو عندي وهم منه" (١٣).
(١) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٢٤٠.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٩٥.
(٣) شرح ديوان الحماسة: ١/ ١٣. غَشيته أَي فنعت رَأسه بِالسَّيْفِ والجأواء الكتيبة المخضرة من كَثْرَة السِّلَاح والبسالة من البسل وَهُوَ الْحَرَام كَأَنَّهَا لتمنعها يمْتَنع لقاؤها والعضب السَّيْف الْقَاطِع والسواء الْوسط مَعْنَاهُ رب فَارس صفته هَكَذَا أَنا ضَربته وَهُوَ فِي جَيش تَامّ السِّلَاح كريه اللِّقَاء بِسيف قَاطع أصَاب وسط رَأسه فشقه.
(٤) تفسير ابن عاشور: ١/ ٦٦٧ - ٦٦٨.
(٥) روائع البيان: ٢/ ٣٤.
(٦) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨.
(٧) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٦.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦. وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٠.
(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٧٠.
(١٠) التفسير البسيط: ٢/ ١٠٨.
(١١) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٠، وروائع البيان: ٢/ ٣٤.
(١٢) ديوانه: ٩٨. وعنى بقوله: (ورهطه) المهاجرين رضي الله عنهم، والمغيب مصدر غيبه في الأرض: واراه، و (الملحد) بضم الميم وفتح الحاء بينهما لام ساكنة: هو اللحد، والقبر.
(١٣) المحرر الوجيز: ١/ ١٩٦، وانظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٦، وتفسير القرطبي: ٢/ ٧٠، وروائع البيان: ٢/ ٣٤.