للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما (الزوج)، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: هي زوجه، بمنزلة الزوج الذكر، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [سورة الأحزاب: ٣٧]، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: هي زوجته، كما قال الفرزدق (١):

وإن الذي يمشي يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها

والزوج في الآية: امرأة الرجل (٢).

قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: ١٠٢]، " أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحداً إِلا إِذا شاء الله" (٣).

قال ابن حجر: "أي: نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإِذن إباحة الإِضرار بالسحر (٤) " (٥).

قال الثعلبي: " أي بعلمه وقضائه ومشيئته وتكوينه، والساحر يسحر ولا يكون شيء" (٦).

قال السعدي: " وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: {فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين" (٧).

وقرأ الجمهور {بضارين به}، وقرأ الأعمش {بضاري به من أحد}، فقيل: حذفت النون تخفيفا، وقيل: حذفت للإضافة إلى أَحَدٍ وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور (٨).

واختلفوا في تفسير قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: ١٠٢] على وجهين:

أحدهما: أنه يعني: "لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه". قاله الحسن (٩).

والثاني: أن معناه: "من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله". قاله الحسن كذلك (١٠).

وذكروا في قوله تعالى: {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: ١٠٢]، ثلاثة أوجه:

احدها: أن معناه: "إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد". قاله ابن إسحاق (١١)، أي: أن الله-عز وجل-تركه يفعل، ولو شاء لم يمكنه من ذلك ولم يسلطه على أحد من خلقه (١٢).


(١) ديوانه: ٦٠٥، والأغاني ٩: ٣٢٦، و ١٩: ٨ (ساسى)، في قصته مع النوار، ويقول هذا الشعر لبني أم النسير (طبقات فحول الشعراء: ٢٨١، والأغاني)، وكانت خرجت مع رجل يقال له زهير بن ثعلبة ومع بني أم النسير، فقال هذا الشعر، وبعد البيت:
ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وصولة أيد يمنع الضيم طولها
ورواية الديوان وغيره: وإن امرءا يسعى يخبب زوجتي. وقوله: " يخبب "، أي يفسدها على. ويحرش: يحرض ويغرى بيني وبينها. و " يستبيلها ": أي يطلب أن تبول في يده.
(٢) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٨.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٧٤.
(٤) أي: أن الإذن في الآية مرادف للإِرادة الكونية القدرية المعبر عنها بالخلق والإيجاد، والمتعلقة بالمشيئة لا الإرادة الشرعية المعبر عنها بالأمر والمتعلقة بالمحبة، فالله-عز وجل-أراد السحر كوناً وقدراً لأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاء وأراد، ولم يرده شرعاً لأنه-سبحانه-لا يرضى الكفر والفسوق ولا يأمر بهما-سبحانه-بل ينهى عنهما. وعلى ذلك جاءت أقوال المفسرين، انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٨٦، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣١، جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٥٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ١٨٠، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٢٣٩.
(٥) الفتح: ٥/ ٢٢٦.
(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٥٠.
(٧) تفسير السعدي: ٦١.
(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٨٨.
(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠١٧): ص ١/ ١٩٣.
(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠١٨): ص ١/ ١٩٣.
(١١) اخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٩): ص ١/ ١٩٣.
(١٢)، انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٠٢٦): ص ١/ ٣١٢ رقم: ١٠٢٦، وتفسير كثير: ١/ ٣٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>