والقراءة الثانية:{المَلَكَيْنِ}، بفتح اللام من (الملائكة)(١)، وهي قراءة الجمهور (٢).
قال الزجاج" و {المَلَكَيْنِ} أثْبتُ في الرواية والتفسير جميعاً"(٣).
وقال ابن الجوزي:" "وقراءة الجمهور أصح" (٤).
قال الحافظ ابن حجر: " وقصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر (٥) في مسند أحمد (٦)، وأطنب الطبري (٧) في إيراد طرقها بحيث يقضي بمجموعها على أن للقصة أصلاً خلافاً لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه (٨)، ومحصلها: أن الله ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختباراً لهما، وأمرهما
(١) وهذا قول ابن عطية، وعلي، انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩٩٩)، و (١٠٠١): ص ١/ ١٨٨. (٢) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٦٤، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٥٥، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٩. (٣) معاني القرآن: ١/ ١٨٣، انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ٦٤، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٥٥، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٣٢٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢٢، وقال: (وقراءة الجمهور أصح). (٤) زاد المسير: ١/ ١٢٢. (٥) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، صحابي مشهور، عالم فقيه، عابد زاهد، من أهل بيعة الرضوان، هاجر مع أبيه، أول غزواته الخندق ورد قبلها لصغره، أحد المكثرين من الرواية، توفي عام: ٧٣ هـ. انظر: الطبقات لابن سعد: ٤/ ١٤٢، أسد الغابة لابن الأثير: ٣/ ٢٢٧، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٣/ ٢١٣، الإصابة لابن حجر: ٢/ ٣٣٨. (٦) المسند-تحقيق الأرناؤوط وآخرين-: ١١٠/ ٣١٧ - ٣١٨ رقم: ٦١٧٨ وسيأتي الكلام على هذا الحديث وما يشبهه بعد في هامش: ١ ص: ٣٩٤ - ٣٩٦. (٧) انظر: جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٢٧ - ٤٣٥. (٨) بلغت طرق قصة هاروت وماروت نيفاً وعشرين طريقاً كما ذكر ذلك الألوسي في روح المعاني: ١/ ٣٤١، وذكر جلها الحافظ ابن حجر في العجاب-تحقيق: الأنيس-: ٣١٤ - ٣٤٣ عند حديثه عن سبب نزول هذه الآية. وقد اختلف العلماء في ثبوتها، فمن من أثبتها الحافظ هنا وفي القول المسدد في الذب عن المسند: ٨٩ - ٩٠ إذ قال: "وله طرق كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد يكون الواقف عليه أن يقطع بوقوع هذه القصة لكثرة الطرق الواردة فيها وقوة مخارج أكثرها، والله أعلم". كما أخرج حديثها ابن حبان في صحيحه: ١٤/ ٦٣ - ٦٤ رقم: ٦١٨٦، والحاكم في مستدركه: ٤/ ٦٠٧ - ٦٠٨ مصححاً له ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٤: "ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن جبير، وهو ثقة". وصححه أيضاً ابن حجر الهيثمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: ٢/ ١٧٢، وأفرد السيوطي في قصتهما جزءاً كما ذكر ذلك في الإتقان: ٢/ ١٨٠، ويظهر أن الألوسي في روح المعاني: ١/ ٣٤٣ نقل عنه اعتراضه على من أنكر القصة بأن "الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على علي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود-رضي الله عنهم-بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها". وعلي القارئ في شرح الشفا: ٢/ ٣٢٠ - ٣٢١ إذ قال بعد إيراده لبعض الطرق: "ولا يخفى أن الحديث كما تراه مرفوعاً وموقوفاً له أصل ثابت في الجملة لتعدد طرقه واختلاف سنده ... وموقوفاً على علي وابن عباس كما مر، وعن ابن عمر وابن مسعود بأسانيد صحيحة وقد قيل: لهذه القصة طرق تفيد العلم لصحتها". وقد ضعف هذه الروايات القاضي عياض في الشفا-مع الشرح لعلي القاري-: ٢/ ٣١٨ - ٣٢٢ إذ قال: "فمما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم (أي: الملائكة) قصة هاروت وماروت وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين، وما روي عن علي وابن عباس في خبرهما وابتلائهما فاعلم-أكرمك الله-أن هذه الأخبار لم يرد منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو شيء يؤخذ بقياس والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في معناه وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم كما قصه الله تعالى أول الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه وقد انطوت القصة على شُنَع عظيمة وها نحن نخبر في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات إن شاء الله". ثم شرع في ذكر ما يزيف القصة ويبطلها من وجوه. ووافقه ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٤/ ٣٢ - ٣٤ فقال: (إن قوماً نسبوا إلى الله تعالى ما لم يأت به قط أثر يجب أن يشتغل به وإنما هو كذب مفترى-إلى أن قال-فصح أنها خرافة موضوعة) وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٣٠ إذ قال: "وتحقيق القول فيه أنه لم يصح سنده ولكنه جائز كله في العقل لو صح النقل". وابن عطية في المحرر الوجيز: ١/ ٣١٨، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٥٢ إذ قال: "قلنا: هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله، ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر "أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر" وهذا معنى قول الله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: ٤٠]، فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلاً قد كانا قبل خلق آدم". وأبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٣٢٩، وابن كثير في البداية والنهاية: ١/ ٣٧ - ٣٨ إذ قال: "وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت ... فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل ... "، وجعل في تفسيره: ١/ ١٧٥ رواية سالم عن ابن عمر عن كعب عند عبد الرازق في التفسير: ١/ ٥٣ - ٥٤ أصح وأثبت من رواية نافع عن ابن عمر في المسند وغيره لأن سالماً أثبت في أبيه من مولاه نافع قال: "فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل والله أعلم". وقال في تفسيره أيضاً: ١/ ١٧٨: "وقد رويت قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال"، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٢٤، والرازي في مفاتيح الغيب: ٣/ ٢٣٧ إذ قال: "واعلم بأن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة" ثم أخذ يعدد وجوه بطلانها، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ١٣٨. ومن المعاصرين الألوسي في روح المعاني: ١/ ٣٤١ والعلامة أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث الطبري: ٢/ ٤٣٣ رقم: ١٦٨٨ وفي تخريجه لأحاديث المسند: ٩/ ٢٩ - ٣٣ رقم: ٦١٧٨، وقال في: ٩/ ٣٢ معقباً على كلام ابن حجر السابق في القول المسدد "أما هذا الذي جزم به الحافظ بصحة وقوع هذه القصة صحة قريبة من القطع لكثرة طرقها وقوة مخارج أكثرها فلا، فإنها كلها طرق معلولة أو واهية بالإضافة إلى مخالفتها الواضحة للعقل لا من جهة عصمة الملائكة القطعية فقط بل من ناحية أن الكوكب الذي نراه صغيراً في عين الناظر قد يكون حجمه أضعاف جسم الكرة الأرضية بالآلاف المؤلفة من الأضعاف فأنى يكون جسم المرأة الصغير إلى هذه الأجرام الفلكية الهائلة". وعزا في نفس الموضع القول بوضع بني إسرائيل لها وأنها حكاية خرافية لأستاذه رشيد رضا. وكذا قال أبو شهبة في كتابه: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: ١٦٢ - ١٦٣، وضعف شعيب الأرناؤوط في تخريجه أحاديث ابن حبان: ١٤/ ١٦٤ رقم: ٦١٨٦ حديث ابن عمر المرفوع، وقال عنه هو وزميلاه في تخريج أحاديث المسند: ١٠/ ٣١٨ رقم: ٦١٨٦ "إسناده ضعيف ومتنه باطل". والأظهر-والله أعلم-في هذه المسألة ثبوت الحادثة لكثرة طرقها وقوة مخارج أكثرها ولا ينبغي رد الأسانيد الثابتة بمثل تلك الاعتراضات، بل الواجب جمع تلك الروايات وأخذ التفاصيل الصحيحة ورد الضعيفة، قال ابن حجر في العجاب-تحقيق الأنيس-: ١/ ٣٣٢ - ٣٤٣ عند ذكره سبب نزول هذه الآية: "طعن في هذه القصة من أصلها بعض أهل العلم ... وليس العجب من المتكلم والفقيه إنما العجب ممن ينتسب إلى الحديث كيف يطلق على خبر ورد بهذه الأسانيد القوية مع كثرة طرقها وتباين أسانيدها أنه باطل أو نحو ذلك من العبارة مع دعواهم تقوية أحاديث غريبة أو واردة من أوجه لكنها واهية، واحتجاجهم بها والعمل بمقتضاها-إلى أن قال-وأقول: إن في طرق هذه القصة القوي والضعيف ولا سبيل إلى رد الجميع فإنه ينادي على من أطلقه بقلة الاطلاع والإقدام على رد مالا يعلمه، لكن الأولى أن يُنظر إلى ما اختلفت فيه بالزيادة والنقص فيؤخذ بما اجتمعت عليه، ويؤخذ من المختلف بما قوي، ويطرح ما ضعف، أو ما اضطرب فإن الاضطراب إذا بعد به الجمع بين المختلف ولم يترجح شيء منه التحق بالضعيف المردود والله المستعان". أما ما قيل من عصمة الملائكة لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون فهو صدق لا خلاف فيه لكنه خبر عن حالهم وهو ما يجوز أن تتغير لاحقاً فيتم الإخبار عنها بذلك أيضاً بعد، وكله حق وصدق لا خلاف فيه. أو يكون من العام الذي دخله التخصيص ولا وجه لمنع ذلك، أو أن هذين الملكان قد خرجا عن صفة الملائكة لإلقاء نعت البشرية من الشهوة النفسية عليهما ابتلاء لهم في القضية، والعلم لله تعالى. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٣٠، فتح القدير للشوكاني: ١/ ١٨٢ - ١٨٣، شرح الشفا لعلي القاري: ٢/ ٣٢١. وأما تحول المرأة إلى كوكب الزهرة فقد أخرج ابن أبي حاتم: ١/ ٣٠٥ رقم: ١٠١٢ عن ابن عباس القصة وفيها: (وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب"، قال ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ بعد إيراداه لها: "وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولاً عن أبي زكريا العنبري ... ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم). أما بقية الوجوه التي ذكرها من ضَعَّف هذه القصة مطلقاً سواء أكانت وجوهاً عقلية أم إسنادية فلا تقوم في وجه الأسانيد القوية التي وردت بها القصة، والله أعلم.