والثاني: وقرأ نافع وعاصم والكسائي {أسارى تفادوهم} (١) بألف فيهما.
والثالث: وقرأ حمزة {أسرى تفدوهم}، بغير ألف فيهما.
والرابع: وكان أبو عمرو وحمزة والكسائي يكسرون الراء.
والخامس: وكان عاصم وابن كثير يفتحان الراء.
والخامس: وكان نافع يقرأ بين الفتح والكسر.
وقد رجّح الإمام الطبري قراءة {وإن يأتوكم أسرى}، "لأن (فعالى) في جمع (فعيل)، غير مستفيض في كلام العرب " (٢).
وأصل الأسر في اللغة: الشدّ (٣)، و (الأسير) مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا، لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول: قد أسر قتبه، أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، وقال الأعشى (٤):
وقيدني الشعر في بيته ... كما قيد الآسرات الحمارا
أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه، فأما الأسر في قوله عز وجل: {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} [الإنسان: ٢٨] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم (٥).
وفي الفرق بين (أَسْرَى) و (أُسَارَى) ثلاثة أقوال:
أحدها: أن (أَسْرَى)، جمع (أسير)، و (أُسَارَى) جمع (أَسْرَى) (٦).
والثاني: أنه ما صار في اليد فهم (أسارى)، وما جاء مستأسرا فهو (أسرى). وهذا قول أبي عمرو بن العلاء (٧).
قال أبو بكر النقاش: "سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما" (٨).
والثالث: وحكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: " (الأسارى): هم المقيّدون المشدّدون، و (الأسرى): هم المأسورون غير المقيدين" (٩).
و(الفداء): طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم، قال الجوهري: " الفداء إذا كُسر أوّله يُمدُّ ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. يقال: قم فدًى لك أبي. ومن العرب مَن يكسر فداء للتنوين إذا جاور لام الجرّ خاصّة، فيقول: فِداءٍ لك؛ لأنّه نكرة، يريدون به معنى الدعاء .. ويقال: فداه وفاداه، إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه تفديةً، إذا قال له: جُعلت فداءك" (١٠)، وبذلك فإن (الفداء) يأتي بمعنى التخليص، وفكاك الأسير، نقول: فَدَتْ وَافْتَدَتْ وَفَادَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا: بَذَلَتْ لَهُ مَالاً لِيُطَلِّقَهَا، وَقَال الْوَزِيرِ بْنِ الْمَعَرِّيِّ: " يُقَال: فَدَى: إِذَا أَعْطَى مَالاً وَأَخَذَ رَجُلاً، وَأَفْدَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ مَالاً، وَفَادَى: إِذَا أَعْطَى رَجُلاً وَأَخَذَ رَجُلاً "، وَالْفِدَاءُ وَالْفِدْيَةُ وَالْفَدَى كُلُّهُ بِمَعْنًى واحد، وَالْفِدْيَةُ اسْمٌ لِلْمَال الَّذِي يُفْتَدَى بِهِ الأسِيرُ (١١).
(١) قال الطبري: "وكان بعضهم يزعم أن معنى " الأسرى " مخالف معنى " الأسارى "، ويزعم أن معنى " الأسرى " استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم، وأن معنى " الأسارى " معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة ... وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفت من جمع " الأسير " مرة على " فَعلى " لما بينت من العلة، ومرة على " فُعالى "، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع " سكران وكسلان " وما أشبه ذلك". (انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣١١).
(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٣١١ - ٣١٢.
(٣) انظر: تهذيب اللغة (أسر): ص ١/ ١٥٩، واللسان (أسر): ٤/ ٧٨.
(٤) ديوانه: ٥٣. وأسرت السرج والرحل: ضممت بعضه إلى بعض بسيور، والسيور تسمى: تآسير. (انظر معجم العين: مادة (اسر).
(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢١.
(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٥.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٠.
(٨) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٠.
(٩) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٣٠.
(١٠) الصحاح: ٦/ ٢٤٥٣.
(١١) انظر: لسان العرب، ابن منظور (ج ١٥، ص ١٤٩)، والقاموس المحيط، الفيروز آبادي (ص ١١٨٨).