للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

و {دماءكم} أي دماء بعضكم؛ لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" (١)، وقال: "ويجير عليهم أقصاهم (٢) "" (٣).

وفي قوله تعالى: {تَسْفِكُونَ} [البقرة: ٨٤]، ثلاثة أوجه من القراءة:

الأول: {تُسْفِكُونَ}، بكسر الفاء. قراءة الجماعة.

والثاني: وقرأ طلحة بن مصرف {تُسْفِكُونَ}، بضم (الفاء) (٤).

قال الثعلبي: " وهما لغتان، مثل: يعرُشون، ويعكُفون" (٥).

والثالث: وقرأ أبو مجلز: {تُسَفِّكُونَ}، بالتشديد على التكثير (٦).

قال الثعلبي: وإنّما قال {دِماءَكُمْ} [البقرة: ٨٤]، لمعنيين:

أحدهما: إن كلّ قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة.

والآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه" (٧).

وقوله تعالى: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم} [البقرة: ٨٤]، فيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه، والجواب عنه من أوجه وهي (٨):

الأول: لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كما ثبت في أهل بعض دول العالم، أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه، فهو عموم في جميع ذلك، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا به (٩).

والثاني: المراد لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسبا ودينا وهو كقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة: ٥٤]. وهذا قول أبي العالية (١٠) والسدي (١١). وروي عن قتادة (١٢)، والربيع بن أنس نحو ذلك (١٣). واختاره ابن عطية (١٤).


(١) أخرجه البخاري ص ٢٥٧، كتاب الجزية والموادعة، باب ١٧: إثم من عاهد ثم غدر، حديث رقم ٣١٧٩؛ وأخرجه مسلم ص ٩٠٥، كتاب الحج، باب ٨٥: فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة ... ، حديث رقم ٣٣٢٧ [٤٦٧] ١٣٧٠.
(٢) اخرجه أبو داود ص ١٤٢٨، كتاب الجهاد، باب ١٤٧: في السرية ترد على أهل العسكر، حديث رقم ٢٧٥١؛ وأخرجه ابن ماجه ص ٢٦٣٨، كتاب الديات، باب ٣١: المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث رقم ٢٦٨٥، قال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح ٢/ ١٧٠.
(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٤٦ ..
(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.
(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.
(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.
(٧) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٢٩.
(٨) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٨ - ١٩.
(٩) عن أنس - رضي الله عنه - قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني: أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، ولفظ مسلم: "أن نفراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله، وأثنى عليه فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني: أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني". [متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، برقم ٥٠٦٣، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، برقم ١٤٠١].
(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٥١): ص ١/ ١٦٢.
(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٨٥٢): ص ١/ ١٦٣.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (١٤٦٤): ٢/ ٣٠٠.
(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٦٣.
(١٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>

حل مشكلة عدم فتح المكتبة الشاملة بعد التحديث الأخير

كل من نزل عنده التحديث التلقائي الجديد للشاملة ثم لم تفتح بعد ذلك، عليه أن ينزل الملف المشغّل الجديد المرفق على هذا الرابط (launcher.exe)، ثم ينسخه إلى هذا المجلد ويستبدل به القديم الذي عنده.

والتحديث ليس به إضافات جديدة، وإنما هو إصلاح لبعض الأخطاء القديمة.