اختلف في سبب نزول الآية على أقوال (١):
أحدها: قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: "من أهل النار". قالوا: نحن، ثم تخلفونا أنتم، فقال: "كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم"، فنزلت هذه الآية (٢).
والثاني: روي عن ابن عباس: " كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} الآية" (٣)، وروي عن مجاهد (٤) وابن زيد (٥)، نحو ذلك.
والثالث: وقيل: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. قاله ابن عباس (٦)، وقتادة (٧)، وعن السدي (٨)، وأبي العالية (٩)، والضحاك (١٠)، نحو ذلك
والرابع: وقيل: زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. قاله ابن عباس (١١)، وري عن الضحاك (١٢) مثل ذلك.
قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: ٨٠]، أي قال اليهود"لن ندخل النار إِلا أياماً قلائل" (١٣).
قال الزمخشري: "أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل" (١٤).
قال السعدي: " ذكر أفعالهم القبيحة، ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم، ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، أي: قليلة تعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن" (١٥).
وفي (الأيام المعدودة)، قولان (١٦):
أحدهما: أنها أربعون يوماً، وهذا قول قتادة (١٧)، والسدي (١٨)، وعكرمة (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، ورواه الضحاك عن ابن عباس (٢١).
ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين على وجهين:
الأول: قال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. روي ذلك عن ابن عباس (٢٢)، وقتادة (٢٣).
والآخر: وقيل: أن اليهود يزعمون أنهم، وجدوا في التوراة مكتوباً، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب، وهلكت النار. روي ذلك عن ابن عباس (٢٤)، وهذا قول من قدر (المعدودة) بالأربعين.
والقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام، لأنهم زعموا، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً، وهذا قول مجاهد (٢٥)، ورواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس (٢٦)، وروي عن ابن زيد (٢٧)، نحو ذلك.
قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} [البقرة: ٨٠]، أي: قل با محمد"هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ " (٢٨).
قال مجاهد: " موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون؟ " (٢٩).
قال قتادة: " فقال الله: أتخذتم عند الله عهدا بهذا الذي تقولون؟ ألكم بهذا حجة وبرهان" (٣٠). وروي عن الربيع بن أنس (٣١) نحو ذلك.
قال الحسن: " أي هل عندكم من الله من عهد أنه ليس معذبكم؟ أم هل أرضيتم الله بأعمالكم فعملتم بما افترض عليكم وعهد إليكم" (٣٢).
قال ابن عثيمين: " أي أأخذتم عند الله عهداً أن لا تمسكم النار إلا أياماً معدودة" (٣٣).
قال النسفي: " أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار" (٣٤).
قال أبو السعود: أي هل عندكم من الله" خبَراً أو وعداً بما تزعمون فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد" (٣٥).
واختلف في تفسير (العهد) هنا، على قولين (٣٦):
الأول: أن العهد من الله تعالى في هذه الآية الميثاق والوعد، والمعنى: هل عاهدكم الله على هذا الذي تدعون؟
والثاني: وقال ابن عباس وغيره: "معناه هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتدلون بذلك وتعلمون أنكم خارجون من النار؟ " (٣٧). والمعنى: هل أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟
(١) انظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٦، والعجاب في بيان الأسباب: ١/ ٢٧٣ - ٢٧٦، وانظر: الطبري: ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٠ - ١١. وتفسير ابن كثير: ١/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٢) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا" فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان. قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبَرِرْت، ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أهل النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: "هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ ". فقالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ ". فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك. [مسند أحمد (٢/ ٤٥١) وصحيح البخاري برقم (٣١٦١، ٤٢٤٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٥)، وأخرج نحوه الطبري (١٤٠٦)، و (١٤٠٧): ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧، ونحوه أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة (٨١٥): ص ١/ ١٥٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٤].
(٣) أخرجه الطبري (١٤١٠)، و (١٤١١): ص ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وابن أبي حاتم (٨١٣): ص ١/ ١٥٥.
(٤) أخرجه الطبري (١٤١٢)، و (١٤١٣)، و (١٤١٤): ص: ٢/ ٢٧٨.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٩): ص ٢/ ٢٧٧.
(٦) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٩): ص ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥
(٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٠): ص ٢/ ٢٧٥.
(٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٠١): ص ٢/ ٢٧٥.
(٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٢): ص ٢/ ٢٧٥.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٨): ص ٢/ ٢٧٧.
(١١) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٤): ص ٢/ ٢٧٥.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٨١٤): ص ١/ ١٥٦.
(١٣) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.
(١٤) الكشاف: ١/ ١٥٨.
(١٥) تفسير السعدي: ٥٧.
(١٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٥٣ - ١٥٤.
(١٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٣): ص ٢/ ٢٧٥.
(١٨) انظر: تفسير الطبري (١٤٠١): ص ٢/ ٢٧٥.
(١٩) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٦)، و (١٤٠٧): ص ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٢٠) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٢): ص ٢/ ٢٧٥.
(٢١) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٩): ص ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢٢) انظر: تفسير الطبري (١٣٩٩): ص ٢/ ٢٧٤.
(٢٣) انظر: تفسير الطبري (١٣٤٠): ص ٢/ ٢٧٥، وابن أبي حاتم (٨١٦): ص ١/ ١٥٦.
(٢٤) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٤): ص ٢/ ٢٧٥.
(٢٥) أخرجه الطبري (١٤١٢)، و (١٤١٣)، و (١٤١٤): ص: ٢/ ٢٧٨.
(٢٦) أخرجه الطبري (١٤١٠)، و (١٤١١): ص ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢٧) انظر: تفسير الطبري (١٤٠٩): ص ٢/ ٢٧٧.
(٢٨) صفوة التفاسير: ١/ ٦٣.
(٢٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٨١٩): ص ١/ ١٥٧.
(٣٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٨١٨): ص ١/ ١٥٧.
(٣١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٥٧.
(٣٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٠): ص ١/ ١٥٧.
(٣٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٦٠.
(٣٤) تفسير النسفي: ١/ ٧٣.
(٣٥) تفسير أبي السعود: ١/ ١٢١. (بتصرف بسيط).
(٣٦) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٧١.
(٣٧) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٧١.