وقال عطاء الخراساني:" اختصمتم فيها"(٢).وروي عن الضحاك مثل ذلك (٣).
وروي عن ابن جريج:" قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه"(٤).
واختلف في الأصل اللغوي لقوله {فَادَّارَأْتُم}[البقرة: ٧٢]، على ثلاثة أوجه (٥):
الأول: أن (الَّدْرءَ): العوج (٦)، ومنه قول أبي النجم العجلي (٧):
خشية ضَغّام إذا هم جَسَر ... يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر
يعني: ذا العوج والعسر.
قال رؤبة بن العجاج (٨):
أدركتها قدام كل مِدْرَهِ ... بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ
والثاني: الدفع (٩)؛ والمعنى: دفع ذلك بعضهم عن بعض (١٠)، قال أبو عبيد:"وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك"(١١).
ومنه حديث قيس بن السائب:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري"(١٢). قال الواحدي: وكل من دفعته عنك فقد دارأته، قال أبو زبيد (١٣):
(١) أخرجه الطبري (١٢٩٢): ص ٢/ ٢٢٥. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٤٧): ص ١/ ١٤٤. (٣) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/! ٤٤. (٤) أخرجه الطبري (١٢٩٤): ص ٢/ ٢٢٥. (٥) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥. (٦) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٢. (٧) لم أجد البيت في مكان إلا تفسير الطبري: ٢/ ٢٢٢. (٨) ديوانه: ١٦٦ من قصيدة يصف بها نفسه. والضمير في قوله: " أدركتها " إلى ما سبق في رجزه. وَحقّةٍ ليست بقول التره وقوله: " حقة "، يعني خصومة أو منافرة أو مفاخرة، أو ما أشبه ذلك. والمدره: هو المدافع الذي يقدم عند الخصومة، بلسان أو يد. والعنجه والعنجهي: ذو الكبر والعظمة حتى كاد يبلغ الجهل والحمق ومنه العنجهية. (٩) أنظر: لسان العرب: (درأ): ص ١/ ٧١. (١٠) وقال بعضهم معناه: تدافعتم، انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٥٣، والنكت والعيون للماوردي: ١/ ١٤٢، والدر المصون للسمين الحلبي: ١/ ٢٦٢، ووضح البرهان للنيسابوري: ١/ ١٤٤ وغيرها، وقال الألوسي في روح المعاني: ١/ ٢٩٣ (فَادَّارَأتُم فيهَا) أصله: تدارأتم من الدرء، وهو الدفع ... والتدارؤ هنا إما مجازاً عن الاختلاف والاختصام أو كناية عنه؛ إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر، أو مستعمل في حقيقته، أعني التدافع بأن طرح قتلَها كلٌ عن نفسه إلى صاحبه، فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس طرح الصاحب، وكل من الطارحين دافع فتطارحهما تدافع، وقيل: إن كلاً منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة، فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت متهم، والآخر: بل أنت المتهم وأنا البريء، ولا يخفى أن ما ذكر-على ما فيه-بالمجاز أليق). (١١) غريب الحديث: ١/ ٣٣٧، وانظر: تهذيب اللغة" (درى) ٢/ ١١٨١، والتفسير البسيط: ٣/ ٥٩. (١٢) لحديث أخرجه أحمد في "مسنده" عن قائد السائب عن السائب، وعن مجاهد عن السائب بن أبي السائب ٣/ ٤٢٥. وأبو داود عن قائد السائب عن السائب. "سنن أبي داود" كتاب الأدب، باب: كراهية المراء. وابن ماجه عن قائد السائب عن السائب (٢٢٨٧) كتاب: التجارة، باب: الشركة والمضاربة. وأخرجه الطبري عن السائب، وقد تكلم شاكر في حاشية الطبري عن الحديث وبين ما في سنده من ضعف، وما في الحديث من اضطراب. "تفسير الطبري" مع "حاشية شاكر" ٢/ ٢٢٣. والحديث أورده أبو عبيد في "الغريب" ١/ ٣٣٦، ٣٣٧. والأزهري في "تهذيب اللغة" (درى) ٢/ ١١٨١. وذكر الحديث ابن حجر في "الإصابة" وقال: (أخرجه البغوي والحسن بن سفيان وغيرهما من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد، وأخرجه أبو بشر الدولابي في "الكنى" من هذا الوجه، لكنه قال: أبو قيس بن السائب كذا عنده، وقيس بن السائب أصح ... ). "الإصابة" ٣/ ٢٣٨. [حاشية التفسير البسيط: ٣/ ٦٠]. (١٣) البيت من قصيدة لأبي زبيد رثى بها ابن أخته، (الشغب): تهييج الشر، و (المرّيد): مبالغة في المارد، يقول: كان دفعك عني بعد الله يرد عني شر كل مريد. ورد البيت في "غريب الحديث" لأبي عبيد ١/ ٢٠٢، "اللسان" (درأ) ٣/ ١٣٤٧، و (شغب) ٤/ ٢٢٨٣، "الخزانة" ٩/ ٧٦. وأبو زبيد: هو حرملة بن المنذر الطائي، شاعر مشهور، أدرك الإسلام واختلف في إسلامه. انظر: "الشعر والشعراء" ص ١٨٥، و"الإصابة" ٤/ ٨٠، "الخزانة" ٤/ ١٩٢.