للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة: ٧١]، "أى بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها" (١).

قال أبو السعود: " أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ" (٢).

واختلف في قوله تعالى: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} [البقرة: ٧١]، على ثلاثة أوجه (٣):

أحدهما: الآن بينت لنا الحق، فتبيناه، وعرفنا أيّة بقرة عنيت. قاله قتادة (٤).

والثاني: يعني: "الآن عرفنا أنك لست تستهزئ؛ وإنما أنت صادق". قاله الشيخ ابن عثيمين (٥).

واستدل بأن " (الحق) هنا ضد الهزء، والباطل؛ يدل على ذلك أنهم صدروا هذه القصة بقولهم: {أتتخذنا هزواً}؛ فبعد هذه المناقشات مع موسى، والسؤالات، وطلب الله عزّ وجلّ قالوا: الآن جئت بالحق، وعرفنا أنك لست مستهزئاً بنا؛ بل إنك جادّ فيما تقول" (٦).

الثالث: معناه: أنه حين بيّنها لهم، قالوا هذه بقرة فلان، الآن جئت بالحق فيها. قاله ابن زيد (٧).

أي: "أنه ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك" (٨).

والقولين الأول والثاني، تحتملهما الآية، والقول الأول هو الأقرب، أي: الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها، فقال: {فذبحوها وما كادوا يفعلون}.

قال الإمام الطبري: " وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: {الآن جئت بالحق}، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر، وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم" (٩).

قوله تعالى {فَذَبَحُوهَا} [البقرة: ٧١]، أي: "فذبح قوم موسى البقرة " (١٠).

قال الزمخشري: " أى: فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها، فذبحوها" (١١).

قال أيو السعود: "أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها" (١٢).

قوله تعالى: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: ٧١]، أي: " وقد قاربوا أن يَدَعوا ذبحها" (١٣).

وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك، وذكرا فيه ثلاثة أقوال (١٤):

أحدها: أنهم كادوا ألاّ يفعلوا لغلاء ثمنها.

قاله محمد بن كعب القرظي (١٥)، ومحمد بن قيس (١٦)، وروي نحوه عن مجاهد (١٧)، ووهب بن منبه (١٨)، ورواية أبي عن أبيه عن ابن عباس (١٩)، وأبي العالية (٢٠)، وعبيدة، (٢١) وابن زيد (٢٢).


(١) الكشاف: ١/ ١٥٢.
(٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢١٧ - ٢١٨.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٢): ص ٢/ ٢١٧.
(٥) أنظر: تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٨.
(٦) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٣٨.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٣): ص ٢/ ٢١٧.
(٨) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٧.
(٩) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٨.
(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٨.
(١١) الكشاف: ١/ ١٥٢.
(١٢) تفسير أبي السعود: ١/ ١١٢.
(١٣) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٨.
(١٤) انظر: تفسير الطبري: ٢١٩ - ٢٢٠.
(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٤): ص ٢/ ٢١٩.
(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٦): ص ٢/ ٢١٩.
(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٠)، و (١٢٨١): ص ٢/ ٢٢٠.
(١٨) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٢): ص ٢/ ٢٢٠.
(١٩) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٣): ص ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢٠) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٤): ص ٢/ ٢٢١.
(٢١) أنظر: تفسير الطبري (١٢٨٥): ص ٢/ ٢٢١.
(٢٢) أنظر: تفسير الطبري (١٢٧٨): ص ٢/ ٢٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>