للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: ٦٥]، فجعل الله منهم القردة والخنازير، فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.

قلت: والصحيح في هذه المسألة: أن مسخهم قرودا، إنما كان معنويًا لا صوريًا خلاف ما ذهب إليه مجاهد (١)، رحمه الله. ورجحه ابن كثير (٢).

وفي قوله تعالى: {خاسئين} [البقرة: ٦٥]، أربعة أقوال:

أحدها: أن معناه: مبعدين. ومنه: خَسَأتُ الكلب أخسؤه خَسْئاً، أي بَاعدته وطردْته. قاله الزجاج (٣).

والثاني: أن معناه: أذلة صاغرين، وهذا قول أبي العالية (٤)، والربيع (٥)، وروي عن مجاهد وقتادة وأبي مالك نحو ذلك (٦).

والثالث: معناه: صاغرين. قاله مجاهد (٧).

والرابع: : أن معنى: خاسئا، أي: ذليلاً. قاله ابن عباس (٨).

قال الطبري: في معنى {الخاسئين): "أي: مبعدين من الخير أذلاء صغراء" (٩)، وبالتالي إن جميع الأقوال الثلاثة ضمن المعنى الصحيح. والله تعالى أعلم.

و(الخاسئ): " المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه: " خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا ". قال: ويقال: " خسأته فخسأ وانخسأ ". ومنه قول الراجز (١٠):

كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ

يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا" (١١).

وأنشد الفراء (١٢):

وَإذا زَجَرْتُ الْكَلْبَ قُلْتُ اخْسَأ لَهُ ... وَالْكَلْبُ مِثْلُكَ ياخُرَيْمُ سَوَاءُ

وأنشد ابن الأنباري لعمران بن حطان (١٣):


(١) إن المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفارا} (الجمعة: ٥) ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه: كن حمارا، واحتج على امتناعه بأمرين:
الأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا فهذا يكون إعداما وإيجادا لا أنه يكون مسخا.
والثاني: إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.
وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجودا والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسما ساريا في البدن أو جزءا في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجودا مجردا على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام.
وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة. (انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٤).
(٢) انظر: تفسيره: ١/ ١٩١.
(٣) أنظر: معاني القرآن: ١/! ٤٩.
(٤) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٤): ص ١/ ١٣٣.
(٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٩): ص ٢/ ١٧٥.
(٦) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٣٣.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٤٦)، و (١١٤٧): ص ٢/ ١٧٥.
(٨) أنظر: تفسير الطبري (١١٥٠): ص ٢/ ١٧٥.
(٩) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٤.
(١٠) لسان العرب: (خسأ)، وروايته: " إن قيل له ".
(١١) تفسير الطبري: ٢/ ١٧٤، وانظر: "تهذيب اللغة" (خسأ) ١/ ١٠٢٨، "جمهرة أمثال العرب" ٣/ ٢٣٧، "الصحاح" (خسأ) ١/ ٤٧.
(١٢) لم أعثر على قائله، والبيت من شواهد الواحدي في التفسير البسيط: ١/ ٦٣٨.
(١٣) البيت ذكره الواحدي في تفسيره: ٢/ ٦٣٩، ولم أجده فيما اطلعت عليه من شعر عمران بن حطان ضمن "ديوان الخوارج" جمع نايف محمود معروف، ولا في "شعر الخوارج" لـ (إحسان عباس).
وهو عمران بن حطان من بني عمرو بن سيبان بن ذهل، كان رأس القَعدة من الصُّفْرية إحدى فرق الخوارج، وكان خطيبًا شاعرا، توفي سنة أربع وثمانين ذكر الجاحظ أخباره في "البيان والتبيين" ١/ ٤٧، والمبرد في "الكامل" ٣/ ١٦٧، وانظر: "تهذيب التهذيب" ٣/ ٣١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>