قال مسلم البطين: " رفعته الملائكة" (١).
قال الصابوني: " أي: نتفناه حتى أصبح كالظلة فوقكم" (٢).
قال الزجاج: " أي: جئناكم بآية عظيمة، وهي أن الطور -وهو الجبلُ- رُفع فوقَهم حتى أظلهم وظنوا أنه واقع بهم، فأخبر اللَّه بعظم الآية التي أروها بعد أخذ الميثاق" (٣).
وذكر أهل التفسير في {الطُّورَ} [البقرة: ٦٣]، أقاويل (٤):
أحدها: إنه اسم جبل بعينه، ثم اختلفوا في تحديده على وجهين:
الأول: أنه اسم الجبل، الذي كلم الله عليه موسى، وأنزلت عليه التوراة دون غيره، وهذه رواية ابن جريج عن ابن عباس (٥).
وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: {وَالطُّورِ} [الطور: ١]، قال: " وهو الجبل الذي بمدين، الذي كلّم الله جلَّ وَعزَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام عنده نكليما" (٦).
والثاني: إنه جبل بالشام (٧)، قال ذو الرمة (٨):
أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ
قوله (طوريون)، أي: "وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام" (٩).
والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (١٠)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (١١).
والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (١٢)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (١٣)، وعطاء (١٤)، وعكرمة (١٥) والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وأبي صخر، ومجاهد (١٦)، وابن زيد (١٧).
واختلف في الأصل اللغوي لكملة (الطور)، على وجهين:
الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٨):
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٠): ص ١/ ١٢٩.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٥٦.
(٣) معاني القرآن: ١/ ١٤٨.
(٤) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٥٧ - ١٥٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٨٧,والنكت والعيون: ١/ ١٣٤.
(٥) أنظر: تفسير الطبري (١٢٢٤): ص ٢/ ١٥٩.
(٦) معاني القرآن: ٣/ ٩١.
(٧) أنظر: تفسير البسيط: ٢/ ٦٢٩، والمحرر الوجيز: ١/ ٣٣٠، و ١٥/ ٥٠٢.
(٨) ورد البيت في "التهذيب" (طور) ٣/ ٢٢٢٩، "اللسان" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، و (طور) ٥/ ٢٧١٨، "الخزانة" ٧/ ٣٥٥، و"ديوان ذي الرمة" ٣/ ١٦٩٨، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).
(٩) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٠.
(١٠) هذا قول لم نجده في كتب اللغة في مادته.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١): ص ١/ ١٢٩، وتفسير الطبري (١١٢٥): ص ٢/ ١٥٩.
(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١١٨): ص ٢/ ١٥٨.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٢): ص ١/ ١٢٩.
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٣): ص ١/ ١٢٩.
(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١١٢١): ص ٢/ ١٥٩.
(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و (١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.
(١٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.
(١٨) ديوانه: ١٧، ومجاز القرآن: ٢/ ٣٠٠، وغريب الحديث: ١٨٠، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله: " دانى " يعود إلى متأخر، وهو " البازي " المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله:
حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات، وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... دانى جناحيه من الطور فمر
يريد: " ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر " فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: " دانى " أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: " تقضى " أصلها " تقضض "، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في " ظنن " " وتظنى " على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط.