قال الطبري: أي: " هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به " (١).
قال ابن عثيمين: " يعني أمة محمد –ص-لى الله عليه وسلم لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل" (٢).
قال البيضاوي: "يريد به المتدينين بدين محمد صلّى الله عليه وسلّم المخلصين منهم والمنافقين، وقيل المنافقين لانخرطهم في سلك الكفرة" (٣).
واختلف أهل التفسير في قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: ٦٢]، على ثلاثة أوجه (٤):
الأول: فالذين آمنوا: هم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وقوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وهذا قول الجمهور (٥).
والثاني: أن المراد المنافقون، قاله سفيان الثوري (٦)، كأنه قال: الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله مَنْ آمَنَ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان (٧).
والثالث: وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وَالَّذِينَ هادُوا كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام، وَالنَّصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا صلى الله عليه وسلم، وَالصَّابِئِينَ كذلك (٨).
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَادُوا} [البقرة: ٦٢]، "أي الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى" (٩).
وقد اختلفت آراء اللغويين والمفسرين في أصل الكلمة التي اشتقت منها كلمة «يهود»، وسبب تسمية اليهود بهذا الاسم، وذكروا وجوها (١٠):
أحدها: أنها من «هاد» بمعنى رجع، سموا بذلك حين تابوا عن عبادة العجل.
والثاني: أنهم سمّوا بذلك، لقولهم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [سورة الأعراف: ١٥٦]، أي: تبنا، قاله ابن جريج (١١)، والهائد (١٢): التائب، ومن ذلك قول الشاعر (١٣):
إنِّي امْرُؤٌ مِنْ حُبِّهِ هَائِدُ
أي: تائب.
والثالث: وقال ابن عرفة: {هدنا إليك}، أي: سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة. قال: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} (١٤).
(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.
(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ٨٤.
(٤) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢.
(٥) حكاه القرطبي، أنظر: تفسيره: ١/ ٤٣٢.
(٦) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦.
(٧) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢.
(٨) نقلا عن: المحرر الوجيز: ١/ ١٥٦.
(٩) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٢١.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١٤٣، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣، والمحرر الوجيز: ١/ ١٥٧، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٣، واللسان، مادة: "هود".
(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٩٤): ص ٢/ ١٤٣.
(١٢) قيل: (هود): جمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه. (انظر: التحرير والتنوير: ١/ ٣٥٩).
(١٣) البيت بلا نسبة في: درج الدرر في تفسير الآي والسور: ١/ ١٨٩، تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٣، والدر المصون: ١/ ٤٠٥، واللباب في علوم الكتاب: ٢/ ١٣٢، ولم أتعرف على قائله.
(١٤) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٢، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ١١٠، وعمدة الحفاظ في تفسير أشرف الالفاظ: ٤/ ٢٦٤.