للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٤ ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى: {وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة}؛ ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخلها مطأطئاً رأسه (١) يقرأ قول الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: ١].

القرآن

{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)} [البقرة: ٥٩]

التفسير:

فبدَّل الجائرون الضالون من بني إسرائيل قول الله، وحرَّفوا القول والفعل جميعًا، إذ دخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة، واستهزءوا بدين الله، فأنزل الله عليهم عذابًا من السماء؛ بسبب تمردهم وخروجهم عن طاعة الله.

قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: ٥٩]، : " أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل والمخالفة" (٢).

قال الصابوني: " أي غيَّر الظالمون أمر الله فقالوا" (٣).

قال الثعلبي: {ظلموا} " أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا" (٤).

قوله تعالى: {قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: ٥٩]، أي: " قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه" (٥).

قال النسفي: أي" فخالفوه إلى قول، ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله" (٦).

واختلف في قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: ٥٩] على وجوه (٧):

أحدها: أنهم: "دخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة". روي ذلك عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- (٨)، وعلى هذا القول عامة المفسرين، وقد روي عن ابن عباس (٩)، وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والحسن والربيع ويحيى بن رافع نحو ذلك (١٠).

والثاني: أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. قاله عكرمة (١١)، وأبو الكنود (١٢).

والثالث: أنهم: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطة. قاله ابن عباس (١٣).


(١) راجع البخاري ص ٣٥٠، كتاب المغازي، باب ٤٩: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح، حديث رقم ٤٢٨١؛ ومسلماً ص ٨٠٣، كتاب صلاة المسافرين، كتاب فضائل القرآن وما يتعلق به، باب ٣٥: ذكر قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة الفتح يوم فتح مكة، حديث رقم ١٨٥٤ [٢٣٨] ٧٩٤؛ ولم أقف على من أخرجه بلفظ "مطأطئاً رأسه".
(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٢٠١.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.
(٤) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٠٢.
(٥) تفسير الطبري: ٢/ ١١٢.
(٦) تفسير النسفي: ١/ ٦٦.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ١١٢ - ١١٥، والبسيط للواحدي-تحقيق الفائز-: ٣/ ٩٤٢، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٣٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٧/ ٣٠٤، معالم التنزيل للبغوي: ١/ ٩٩، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٨٥ وغيرها.
(٨) عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله لبني إسرائيل: " ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم "، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة. (رواه أحمد في المسند: ٨٢١٣ (ج ٢ ص ٣١٨ حلبي)، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد، ولكن بلفظ " حبة في شعرة ". وكذلك رواه البخاري ٦: ٣١٢، و ٨: ٢٢٨ - ٢٢٩ (فتح الباري)، من طريق عبد الرازق. وذكر الحافظ (٨: ٢٢٩) أن لفظ " شعرة " رواية أكثر رواة البخاري، وأن رواية الكشميهني " شعيرة ". وذكره ابن كثير ١: ١٨٠، ونسبه أيضًا لمسلم والترمذي، من رواية عبد الرزاق).
(٩) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٩٠): ص ١/ ١١٩ - ١٢٠، وتفسير الطبري (١٠٣٤): ص ٢/ ١١٥.
(١٠) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم: ١/ ١٢٠.
(١١) أنظر: تفسير الطبري (١٠٣١): ص: ٢/ ١١٥.
(١٢) أنظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥٨٨): ص ١/ ١١٩.
(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١٠٢٤): ص ٢/ ١١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>