للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واختلفت القراءة في قوله تعالى {حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٩]، على وجهين (١):

الأول: {حِطَّة}، بالنصب (٢)، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة (٣) (٤).

والثاني: {حِطَّةٌ}، بالرفع، قرأ بها الجمهور (٥)، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة (٦)

قوله تعالى: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: ٥٨]، "أي نمح ذنوبكم ونكفّر سيئاتكم" (٧).

قال قتادة: " من كان خاطئا غفرت له خطيئته" (٨).

قال الماوردي: " أي نرحمْكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها " (٩).

قال الطبري: أي: "نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها" (١٠).

وأصل (الغفر) التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره، ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس (مغفر)، لأنها تغطي الرأس وتجنه، ومنه (غمد السيف)، وهو ما تغمده فواراه ولذلك قيل لزئبر الثوب: (غفرة)، لتغطيته الثوب، وحوله بين الناظر والنظر إليه، ومنه قول أوس بن حجر (١١):

فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا

فقوله: (وأغفر عنه الجهل): أي: أستر عليه جهله بحلمي عنه (١٢).

و(الخطايا)، جمع: خطية، بغير همز، كما (المطايا)، جمع: مطية، ولو كانت (الخطايا) مجموعة على (خطيئة)، بالهمز: لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل، وقد تجمع " خطيئة " بالتاء، فيهمز فيقال " خطيئات ". و " الخطيئة " فعيلة، من " خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ "، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر (١٣):


(١) أنظر: شواذ القرآن لابن خالويه: ١٣، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٣١، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، البحر المحيط لأبي حيان: أ/٢٢٢، روح المعاني للألوسي: ١/ ٢٦٦.،
(٢) ذكر الزمخشري في الكشاف: ١/ ٢٨٣ أن النصب هو الأصل، واستحسنه أبو حيان في البحر المحيط: ١/ ٢٢٢.
(٣) هو: إبراهيم بن أبي عبلة (شمر) بن يقظان الشامي المرتحل، ثقة فاضل له أدب ومعرفة، وكان يقول الشعر، توفي عام: ١٥٢ هـ. انظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: ٢/ ١٠٥، تاريخ بغداد للخطيب: ٦/ ١٣٣، تهذيب التهذيب-المعرفة-لابن حجر: ١/ ١٥٤، تقريب التهذيب لابن حجر: ١١١.
(٤) انظر في نسبة قراءة النصب له: شواذ القرآن لابن خالويه: ١٣، الكشاف للزمخشري: ١/ ٢٨٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ١/ ٢٣١، مفاتيح الغيب للرازي: ٣/ ٩٥، البحر المحيط لأبي حيان: أ/٢٢٢، روح المعاني للألوسي: ١/ ٢٦٦.،
(٥) هي قراءة العشرة المتواترة، إذ لم يذكر من صنف في قراءاتهم في الآية خلافاً، انظر: الغاية لابن مهران: ١١١، الإقناع لابن الباذش: ٢/ ٥٩٨، النشر لابن الجزري: ٢/ ٢١٤، المهذب د. محيسن: ١/ ٥٦. وقد نسبها للجمهور غير واحد، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ١/ ٤١٠، وفتح القدير للشوكاني: ١/ ١٣٢، وقد ذكر النحاس في إعراب القرآن: ٢/ ٢٢٨ بأن الرفع أولى في اللغة.
(٦) والمعنى: سؤالنا إياك أن تحط ذنوبنا، ويمكن أن يكون التقدير: أمرك حطة، أي: استسلمنا لأمرك فحط عنا ذنوبنا، أو: شأنك حطة، أي: شأنك أن تحط ذنوب التائبين فحط ذنوبنا، أو إرادتنا حطة، أي: إرادتنا أن تحط ذنوبنا. والحطة على هذا القول يراد بها مطلق المصدر كالحط، والحط: الإزالة، يقال: حططت عنه الخراج أي: أزلته عنه. وانظر هذا الوجه في: إعراب القرآن للنحاس: ١/ ٢٢٨، معاني القرآن للزجاج: ١/ ١١٠، البسيط للواحدي-تحقيق الفوزان-: ٣/ ٩٣٢، إملاء ما من به الرحمن للعكبري: ١/ ٣٨، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٢٢٢، الدر المصون للسمين: ١/ ٢٣٢.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٥): ص ١/ ١١٩.
(٩) النكت والعيون: ١/ ١٢٦.
(١٠) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٩.
(١١) ديوانه، قصيدة " ٣١. وهذه الرواية جاءت في شرح شواهد المغني: ١٣٧، وأما في سائر الكتب: " إن كان ظالما "، وهي أجود. وقوله: " أجهل " بمعنى جاهل، كما قالوا " أوجل " بمعنى وجل، وأميل بمعنى مائل، وأوحد بمعنى واحد، وغيرها. ورواية صدر البيت على الصواب: " ألا أعتب " كما في المفضليات ٥٩٠ وغيره، أو " وقد أعتب " كما في القرطين ٢: ٦٩. ويروى " ولا أشتم ابن العم ". يقول: أبلغ رضاه إذا ظلم او جهل، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه.
(١٢) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٩ - ١١٠.
(١٣) البيت لأمية بن الأسكر، أمالي القالي ٣: ١٠٩، وكتاب المعمرين: ٦٨ والخزانة ٢: ٤٠٥، ويروى صدره " أتاه مهاجران تكنفاه ". وأما عجزه فاختلفت رواياته: " بترك كبيرة خطئا. . " و " ليترك شيخه خطئا. . "، " ففارق شيخه، . . " وكان أمية قد أسن، عمر في الجاهلية عمرا طويلا، وألفاه الإسلام هرما. ثم جاء زمن عمر، فخرج ابنه كلاب غازيا، وتركه هامة اليوم أو غد. فقال أبياتا منها هذا للبيت، فلما سمعها عمر، كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر، فرحله. وله مع عمر في هذه الحادثة قصة جيدة (في القالي ١: ١٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>