للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)} [البقرة: ٥٥]

التفسير:

واذكروا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك في أن الكلام الذي نسمعه منك هو كلام الله، حتى نرى الله عِيَانًا، فنزلت نار من السماء رأيتموها بأعينكم، فقَتَلَتْكم بسبب ذنوبكم، وجُرْأتكم على الله تعالى.

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} [البقرة: ٥٥]، "أي: واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم يا موسى" (١).

قال ابن عثيمين: " والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم" (٢).

قوله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ} [البقرة: ٥٥]، "أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به" (٣).

قوله تعالى: {حَتَّى نَرَى اللَّهَ} [البقرة: ٥٥] " أي حتى نرى الله علانية" (٤).

و(جَهْرَةً): أي "معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف" (٥)، يقال "فلان يجاهر بالمعاصي أيْ لا يسْتتِر من الناس منها بشيءٍ" (٦)، ويقال: قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا، " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه (٧)، كما قال الفرزدق بن غالب (٨):

من اللائي يظل الألف منهررر ... منيخًا من مخافته جهارا

ومنه قول الشاعر (٩):

يجهر أجواف المياه السّدم ... وانتحابها على الحان

وقيل المعنى (جهرة) أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول.

وفي القائلين لموسى ذلك قولان (١٠):

القول الأول: أنهم السبعون المختارون، فلما صار يكلم موسى ربه ويكلمه الله، قالوا {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} (١١).


(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩١.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩١.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٩١.
(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٥٢.
(٥) تفسير الثعلبي: ١/ ١٩٩.
(٦) معاني القرآن للزجاج: ١/ ١٣٧.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٨٠.
(٨) ديوانه: ٤٤٣، والنقائض: ٢٥٥، يهجو جريرا، وقبل البيت:
عوى، فأثار أغلب ضيغميا ... فويل ابن المراغة! ما استثارا
قوله " عوى " يعني جريرا. وقوله " من اللائي "، أصله: من اللائين. و " اللاؤون " جمع " الذي " من غير لفظه، بمعنى " الذين ". وفيه لغات: اللاؤون، في الرفع، واللائين، في الخفض والنصب. واللاؤو، بلانون، واللائي، بإثبات الياء في كل حال. يستوى فيه الرجال والنساء، ومنه قول عباد بن طهفة، وهو أبو الربيس، شاعر أموي:
من النفر اللائي الذين إذا همو ... يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
وأجاز أبو الربيس أن يجمع بين " اللائي " و " الذين "، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما. قول الفرزدق: " من اللائي "، يعني: من الذين. ثم قطع القول وحذف، لدلالة الكلام على ما أراد، كأنه قال: هو من الذين عرفت يا جرير. ثم استأنف فقال: يظل الألف منه .. ، والضمير في " منه " عائد إلى قوله: " أغلب ضيغميا "، هو الأسد، ويعني نفسه. والألف: يعني ألف رجل. وقوله: " منيخا ": أي قد أناخ " الألف " ركابهم من مخافته، وقد قطع عليهم الطريق. هذا، ورواية النقائض والديوان: " نهارا " مكان " جهارا " جاء تفسيرها في النقائض: " قال: نهارا، ولم يقل: ليلا، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل. فيقول: هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار، فكيف بالليل! ". رواية الطبري: " جهارا " قريبة المعنى من رواية من روى " نهارا ". وهم يقولون: لقيته جهارا نهارا. لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره. أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين، وذلك في النهار.
(٩) سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم- ابن هشام الحميري-: ٢/ ٣٧٧، والسدم: الندم، والبيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ١٩٩.
(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٤.
(١١) وقد اختلف في وقت اختيارهم:
١ - حكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل.
٢ - وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد.
والأول أصح.

<<  <  ج: ص:  >  >>