والثالث: " وقيل: "كان ذبحهم للأبناء استخدامهم في الأعمال القذرة الجارية مجرى أعظم الذبحين القتل، والإهانة، قال: وعلى ذلك قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} " (١). ولا يخفى على ما في هذا الوجه من التكلف، وإن كان المعنى صحيحا.
والقول الأول أصح، حملا للفظ (الأبناء) على ظاهره، ويدل على هذا المعنى، عملية إلقاء موسى -عليه السلام- في التابوت حال صغره، كما أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ومن جهة أخرى أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة، وهذا قول عامة أهل التفسير، والله أعلم.
قال ابن عطية: " والصحيح من التأويل أن الأبناء هم الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء بالمئال" (٢).
قال الواحدي: " وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع الإناث، فجرى اللفظ على التغليب كما يطلق الرجال على الذكور وإن كان فيهم صغار" (٣).
وقوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ} [البقرة: ٤٩] فيه وجهان من القراءة (٤):
أحدهما: {يُذَبِّحُونَ}، بالتشديد على المبالغة والتكثير، قرأ بها الجمهور.
والثاني: {يذبحون}، بفتح الباء، قرأ بها ابن محيصن "يذبحون" بفتح الباء (٥).
والقراءة الأولى أرجح، "إذ الذبح متكرر" (٦)، وكان فرعون على ما روي قد رآه في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه (٧)، وقيل غير هذا والمعنى متقارب (٨).
قوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [البقرة: ٤٩]، أي: " يتركونهن أحياء" (٩).
قال الصابوني: أي: " يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة" (١٠).
قال الطبري: أي: " يستبقونهن فلا يقتلونهن" (١١).
قال المراغي: أي: "ويستبقون البنات إذلالا لكم حتى ينقرض شعبكم من البلاد" (١٢).
قال الواحدي: " يَسْتَبْقُونهن، ولا يقتلونهن، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (١٣) " (١٤).
قال ابن عثيمين: " أي يستبقون نساءكم؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع، ويبقين خدماً لآل فرعون؛ وهذا. والعياذ بالله. من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون، كما قال تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل} [الشعراء: ٥٧. ٥٩] وقال تعالى:
(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ١٨٦.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ١٤١.
(٣) التفسير البسيط: ٢/ ٥٠٥.
(٤) انظر: الثعلبي: ١/ ١٩١، وتفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.
(٦) المحرر الوجيز: ١/ ١٤٠.
(٧) الخبر رواه السدي في في تفسير ابن أبي حاتم (٥٠٦): ص ١/ ١٠٦.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٦.
(٩) تفسير البغوي: ١/ ٩١.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٤٩.
(١١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٦.
(١٢) تفسير المراغي: ١/ ١١٠.
(١٣) أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: "سنن أبي داود" ٢٦٧٠ كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (١٥٨٣) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. عارضه الأحوزي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" ٥/ ١٢، ٢٠. ورمز السيوطي له بالصحة في "الجامع الصغير". انظر: "فيض القدير شرح الجامع" ٢/ ٧٦.
(١٤) التفسير البسيط: ٢/ ٥٠٤.