للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عثيمين: {سُوءَ الْعَذَابِ}: " أي: سيئه وقبيحه" (١).

قال الواحدي: " (السوم) أن تُجشّم إنساناً مشقةً وسوءاً أو ظلماً" (٢).

والخطاب في قوله {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}، لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر: " فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم "، والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه - كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه (٣)، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية (٤):

ولقد سما لكم الهذيل فنالكم ... بإرَابَ، حيث يقسِّم الأنفالا

في فيلق يدعو الأراقم، لم تكن ... فرسانه عُزلا ولا أكفالا (٥)

ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده، ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه، فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ}، لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم (٦).

واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: ٤٩]، على وجوه (٧):

أحدها: قيل معناه: يذيقونكم ويلزمونكم إياه.

والثاني: يولونكم، قاله أبو عبيدة (٨)، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم (٩):

إِذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسُ خَسْفًا ... أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا

والثالث: أن معناه: يديمون عذابكم، والسوم: الدوام، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي.

والرابع: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. قاله الواحدي (١٠).

والخامس: يزيدونكم على سوء العذاب، ومنه مساومة البيع، إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ، ويزيد المشتري على ثمنٍ، وهذا قول المفضل (١١).

وجميع المعاني تحتمله اللفظ، إذ أن المراد بقوله {يسومونكم}، أي: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه: سامه خطة ضيم، إذا أولاه ذلك وأذاقه (١٢)، كما قال الشاعر (١٣):


(١) تفسير ابن عثيمين: ١/ ١٧٥.
(٢) التفسير البسيط: ٢/ ٤٩٤.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٨.
(٤) ديوانه: ٤٨، ونقائض جرير والأخطل: ٧٧ - ٧٨. قال الطبري فيما مضى ١: ٣٦٦: " سما فلان لفلان ": إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه ". والهذيل، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا. وأصاب نعما كثيرا، وسبى سببا كثيرا، منهم " الخطفى " جد جرير، فسمى الهذيل " مجدعا "، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه. (انظر خبر ذلك في النقائض ٤٧٣، ونقائض جرير والأخطل: ٧٨) نالكم: أدرككم وأصاب منكم ما أصاب. والأنفال جمع نفل (بفتحتين): وهي الغنائم. وفي المطبوعة: " تقسم " وهي صواب لا بأس بها.
(٥) الفيلق: الكتيبة العظيمة. وقوله: " يدعو " الضمير للهذيل. والأراقم: هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، رهط الهذيل. وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان، وكانوا تحت دثار لهم، فكشفت الدثار، فلما رأتهم قالت: " كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم "، والأراقم جمع أرقم: وهو أخبث الحيات، وأشدها ترقدا وطلبا للناس. والعزل جمع أعزل: وهو الذي لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون): وهو الذي لا يثبت على متن فرسه، ولا يحسن الركوب.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٣٩.
(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٤. وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٨، والنكت والعيون: ١/ ١١٨.
(٨) أنظر: مجاز القرآن" ١/ ٤٠، "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص ٤٨.
(٩) شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات: ٤٢٥، وشرح القصائد التسع ٦٧٨ شرح القصائد العشر ٣٦٥. الخسف: الظلم والنقصان.
(١٠) التفسير البسيط: ٢/ ٤٩٤.
(١١) أنظر: تهذيب اللغة" (سام) ٢/ ١٦٠٠، "اللسان" (سوم) ٤/ ٢١٥٧.
(١٢) أنظر: تفسير الطبري: ٢/ ٤٠.
(١٣) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الطبري في تفسيره: ٢/ ٤٠، الخسف: الظلم والإذلال والهوان، وهي شر ما ينزل بالإنسان، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان. وتربد وجهه: تلون من الغضب وتغير، كأنما تسود منه مواضع. وقوله: " وجهه " فاعل مقدم، أي تربد وجهه.

<<  <  ج: ص:  >  >>