قال المبرد وثعلب: "الشفاعة: كلام الشفيع الملك في حاجة يسألها لغيره" (١)
وقال ابن الأثير (٢) «يقال: شفع يشفع شفاعة، فهو شافع وشفيع، والمشفِّع: الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع: الذي تقبل شفاعته» (٣).
وقال الراغب (٤) افي تعريف الشفاعة: "أي من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعا ً له أو شفيعا ً في فعل الخير والشر، فعاونه وقوّاه، وشاركه في نفعه وضرّه» (٥).
وقال: «الشفاعة: الانضمام إلي آخر ناصراً له وسائلا ً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدني (٦).
ويقول السفاريني (٧) في توجيه ذلك: «فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له» (٨).
والشفاعة في الإصطلاع الشرعي: «هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم» (٩).
وقال السفاريني: «هي سؤال الخير للغير» (١٠).
نستنتج من التعريفين أن الأول منهما يحصر الشفاعة في دفع المضرة، والثاني يجعلها مقتصرة على جلب الخير، والحق أنهما متلازمان، فهي سؤال لدفع مضرة أو جلب منفعة، ولهذا عرفها القاضي عبد الجبار (١١) بأنها: «مسألة الغير أن ينفع غيره أو أن يدفع عنه مضرة» (١٢).
وهذا تعريف جامع مانع يشتمل على الأمرين معا، ولا يختص بواحد منهما، بل يتعلق بأحدهما تارة، وبالآخر تارة أخرى، ويطلق هذا التعريف على الشفاعة بصفة عامة سواء ً كانت في أمور الدنيا أو الآخرة.
فيمكن القول بأن الشفاعة: هي: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (١٣).
واختلف في عود الضمير في قوله تعالى {وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ} [البقرة: ٤٨]، على وجهين (١٤):
أحدهما: أنه يعود على (النفس) المتأخرة. أي: لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع.
والثاني: أن يعود الضمير على (النفس) الأولى، أي: ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئاً شفاعة.
(١) "تهذيب اللغة" (شفع) ٢/ ١٨٩٧، وانظر: "اللسان" (شفع) ٤/ ٢٢٨٩.
(٢) هو: على بن محمد الشيباني، أبو الحسن، عز الدين بن الأثير، المؤرخ، المحدث، الأديب، النسابة صاحب الكامل في التاريخ واللباب في تهذيب الأنساب وغيرها كثير، توفي رحمه الله سنة (٦٣٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ج ٢٢، ص ٣٥٣، وشذرات الذهب ج ٥، ص ١٣٧، والأعلام – خير الدين الزركلي – دار العلم للملايين – بيروت، ج ٥، ص ١٥٢.
(٣) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٨٥.
(٤) لقبه الراغب الأصفهاني، وكثر الخلاف في اسمه، والأشهر أن اسمه الحسين، وعليه مشى جل من ترجم له، العلامة الماهر، احد أعلام العلم، ومشاهير الفضل، خلف تراثاً كبيراً من المؤلفات، توفي سنة (٤٢٥ هـ). انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة – للسيوطي – تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – بيروت، ج ٢، ص ٢٩٧، تاريخ حكماء الإسلام - البيهقى – طبع بدمشق ١٩٤٦، ج ٢، ص ١١٢، ونزهة الأرواح ج ٢، ص ٤٤.
(٥) مفردات ألفاظ القرآن: ٤٥٧.
(٦) مفردات ألفاظ القرآن: ٤٥٧.
(٧) هو محمد بن أحمد، أبو العون السفاريني النابلسي الحنبلي، محدث فقيه أصولي، ولد بسفارين من قرى نابلس، من تصانيفه الكثيرة: «البحور الزاخرة في علوم الآخرة» و «لوامع الأنوار البهية» وغيرها، توفي سنة ١١٨٨ هـ. انظر: الرسالة المستطرفة – محمد بن جعفر الكتاني – دار البشائر – بيروت، ص ٩٨، ومعجم المؤلفين – عمر رضا كحالة – مكتبة المثنى – دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج ٧، ص ٢٦٢.
(٨) لوامع الأنوار البهية، السفاريني الحنبلي: ٢/ ٢٠٤.
(٩) النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٤٨٥.
(١٠) لوامع الأنوار البهية: ٢/ ٢٠٤.
(١١) هو: القاضي عبد الجبار بن أحمد، أبو الحسن الهمذاني، شيخ المعتزلة، ومن كبار الشافعية، ولي القضاء بالري، وله تصانيف كثيرة، منها طبقات المعتزلة، ودلائل النبوة، وغيرها، توفي سنة (٤١٥ هـ). انظر: تاريخ بغداد – الخطيب البغدادي – مكتبة الخانجي – مصر، ج ١١، ص ١١٣، وطبقات الشافعية الكبري – تاج الدين السبكي – تحقيق الطناحي والحلو – القاهرة - ١٤٢٤ هـ، ج ٥، ص ٩٧.
(١٢) انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار: ٦٨٨.
(١٣) انظر: القول المفيد شرح كتاب التوحيد: ١/ ٤٣٣.
(١٤) انظر: البحر المحيط: ١/ ١٦٠.